فخر الدين الرازي

517

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وأما الوجه الرابع : فهو تخصيص لأحد العمومين بالعموم الثاني . المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي فلأمه بكسر الهمزة والميم وشرطوا في جواز هذه الكسرة أن يكون ما قبلها حرفا مكسوراً أو ياء . أما الأول : فكقوله : فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ * [ الزمر : 6 ] . وأما الثاني : فكقوله : فِي أُمِّها رَسُولًا [ القصص : 59 ] وإذا لم يوجد هذا الشرط فليس إلا الضم كقوله : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [ المؤمنون : 50 ] وأما الباقون فإنهم قرءوا بضم الهمزة ، أما وجه من قرأ بالكسر قال الزجاج : أنهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله : فَلِأُمِّهِ وذلك لأن اللام لشدة اتصالها بالأم صار المجموع كأنه كلمة واحدة ، وليس في كلام العرب فعل بكسر الفاء وضم العين ، فلا جرم جعلت الضمة كسرة ، وأما وجه من قرأ الهمزة بالضم فهو أتى بها على الأصل ولا يلزم منه استعمال فعل لأن اللام في حكم المنفصل واللّه أعلم . قوله تعالى : فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ . اعلم أن هذا هو الحالة الثالثة من أحوال الأبوين وهي أن يوجد معهما الأخوة ، والأخوات وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اتفقوا على أن الأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى السدس ، واتفقوا على أن الثلاثة يحجبون ، واختلفوا في الأختين ، فالأكثرون من الصحابة على القول بإثبات / الحجب كما في الثلاثة ، وقال ابن عباس : لا يحجبان كما في حق الواحدة ، حجة ابن عباس أن الآية دالة على أن هذا الحجب مشروط بوجود الاخوة ، ولفظ الاخوة جمع وأقل الجمع ثلاثة على ما ثبت في أصول الفقه ، فإذا لم توجد الثلاثة لم يحصل شرط الحجب ، فوجب أن لا يحصل الحجب . روي أن ابن عباس قال لعثمان : بم صار الاخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس ؟ وإنما قال اللّه تعالى : فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك ليسا باخوة ؟ فقال عثمان : لا أستطيع أن أرد قضاء قضى به من قبلي ومضى في الأمصار . واعلم أن في هذه الحكاية دلالة على أن أقل الجمع ثلاثة لأن ابن عباس ذكر ذلك مع عثمان ، وعثمان ما أنكره ، وهما كانا من صميم العرب ، ومن علماء اللسان ، فكان اتفاقهما حجة في ذلك . واعلم أن للعلماء في أقل الجمع قولين : الأول : أن أقل الجمع اثنان وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمة اللّه عليه ، واحتجوا فيه بوجوه : أحدها : قوله تعالى : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [ التحريم : 4 ] ولا يكون للإنسان الواحد أكثر من قلب واحد ، وثانيها : قوله تعالى : فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ والتقييد بقوله : فوق اثنتين إنما يحسن لو كان لفظ النساء صالحاً للثنتين ، وثالثها : قوله : « الاثنان فما فوقهما جماعة » والقائلون بهذا المذهب زعموا أن ظاهر الكتاب يوجب الحجب بالأخوين ، الا أن الذي نصرناه في أصول الفقه أن أقل الجمع ثلاثة ، وعلى هذا التقدير فظاهر الكتاب لا يوجب الحجب بالأخوين ، وإنما الموجب لذلك هو القياس ، وتقريره أن نقول : الأختان يوجبان الحجب ، وإذا كان كذلك فالأخوان وجب أن يحجبا أيضا ، إنما قلنا إن الأختين يحجبان ، وذلك لأنا رأينا أن اللّه تعالى نزل الاثنين من النساء منزلة الثلاثة في باب الميراث ، ألا ترى أن نصيب البنتين ونصيب الثلاثة هو الثلثان ، وأيضا نصيب الأختين من الأم ونصيب الثلاثة هو الثلث ، فهذا الاستقراء يوجب أن يحصل الحجب بالأختين ، كما أنه حصل بالأخوات الثلاثة ، فثبت أن الأختين يحجبان ،