فخر الدين الرازي

504

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

كان صغيراً وجب على الولي أن يعتذر إليهم ، ويقول : إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق ، وان يكبروا فسيعرفون حقكم ، فهذا هو القول المعروف ، وثانيها : قال الحسن والنخعي : هذا الرضخ مختص بقسمة الأعيان ، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك ، قال لهم قولا معروفا ، مثل أن يقول لهم : ارجعوا بارك اللّه فيكم ، وثالثها : قالوا : مقدار ما يجب فيه الرضخ شيء قليل ، ولا تقدير / فيه بالإجماع . ورابعها : أن على تقدير وجوب هذا الحكم تكون هذه الآية منسوخة . قال ابن عباس في رواية عطاء : وهذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وهذا قول سعيد بن المسيب والضحاك وقال في رواية عكرمة : الآية محكمة غير منسوخة وهو مذهب أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير ، فهؤلاء كانوا يعطون من حضر شيئا من التركة . روي أن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قسم ميراث أبيه وعائشة حية ، فلم يترك في الدار أحدا إلا أعطاه ، وتلا هذه الآية ، فهذا كله تفصيل قول من قال بأن هذا الحكم ثبت على سبيل الوجوب ، ومنهم من قال : انه ثبت على سبيل الندب والاستحباب ، لا على سبيل الفرض والإيجاب ، وهذا الندب أيضا إنما يحصل إذا كانت الورثة كباراً ، أما إذا كانوا صغارا فليس إلا القول المعروف ، وهذا المذهب هو الذي عليه فقهاء الأمصار . واحتجوا بأنه لو كان لهؤلاء حق معين لبين اللّه تعالى قدر ذلك الحق كما في سائر الحقوق ، وحيث لم يبين علمنا أنه غير واجب ، ولأن ذلك لو كان واجبا لتوفرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين على تقديره ، ولو كان ذلك لنقل على سبيل التواتر ، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه غير واجب . القول الثاني : في تفسير الآية : أن المراد بالقسمة الوصية ، فإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامى والمساكين أمر اللّه تعالى أن يجعل لهم نصيبا من تلك الوصية ، ويقول لهم مع ذلك : قولا معروفا في الوقت ، فيكون ذلك سببا لوصول السرور إليهم في الحال والاستقبال ، والقول الأول أولى ، لأنه تقدم ذكر الميراث ولم يتقدم ذكر الوصية ، ويمكن أن يقال : هذا القول أولى لأن الآية التي تقدمت في الوصية . القول الثالث : في تفسير الآية أن قوله : وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى فالمراد من أولي القربى الذين يرثون والمراد من اليتامى والمساكين الذين لا يرثون . ثم قال : فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً فقوله : فَارْزُقُوهُمْ راجع إلى القربى الذين يرثون وقوله : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً راجع إلى اليتامى والمساكين الذين لا يرثون ، وهذا القول محكي عن سعيد بن جبير . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : الضمير في قوله : فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ عائد إلى ما ترك الوالدان والأقربون ، وقال الواحدي : الضمير عائد إلى الميراث فتكون الكناية على هذا الوجه عائدة إلى معنى القسمة ، لا إلى لفظها كقوله : ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ [ يوسف : 76 ] والصواع مذكر لا يكنى عنه بالتأنيث ، لكن ريد به المشربة فعادت الكناية إلى المعنى لا إلى اللفظ ، وعلى هذا التقدير / فالمراد بالقسمة المقسوم ، لأنه إنما يكون الرزق من المقسوم لا من نفس القسمة . المسألة الثالثة : إنما قدم اليتامى على المساكين لأن ضعف اليتامى أكثر ، وحاجتهم أشد ، فكان وضع الصدقات فيهم أفضل وأعظم في الأجر . المسألة الرابعة : الأشبه هو أن المراد بالقول المعروف أن لا يتبع العطية المن والأذى بالقول أو يكون المراد الوعد بالزيادة والاعتذار لمن لم يعطه شيئا .