فخر الدين الرازي
486
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
كي يزول هذا الخوف ، فان خفتم في الأربع أيضاً فواحدة ، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع ، والناقص وهو الواحدة ، ونبه بذلك على ما بينهما ، فكأنه تعالى قال : فان خفتم من الأربع فثلاث ، فان خفتم فاثنتان ، فان خفتم فواحدة ، وهذا القول أقرب ، فكأنه تعالى خوف من الإكثار من النكاح بما عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة إلى الانفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير . أما قوله تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا . ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال أصحاب الظاهر : النكاح واجب وتمسكوا بهذه الآية ، وذلك لأن قوله فَانْكِحُوا أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، وتمسك الشافعي في بيان انه ليس بواجب بقوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [ النساء : 25 ] إلى قوله : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ فحكم تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله ، وذلك يدل على أنه ليس بمندوب ، فضلا عن أن يقال إنه واجب . المسألة الثانية : إنما قال : ما طابَ ولم يقل : من طاب لوجوه : أحدها : أنه أراد به الجنس تقول : ما عندك ؟ فيقول رجل أو امرأة ، والمعنى ما ذلك الشيء الذي عندك ، وما تلك الحقيقة التي عندك ، وثانيها : أن ( ما ) مع ما بعده في تقدير المصدر ، وتقديره : فانكحوا الطيب من النساء ، وثالثها : ان « ما » و « من » ربما يتعاقبان . قال تعالى : وَالسَّماءِ وَما بَناها [ الشمس : 5 ] وقال : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ * [ الكافرون : 2 ] وحكى أبو عمرو بن العلاء : سبحان ما سبح له الرعد ، وقال : فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ [ النور : 45 ] ورابعها : إنما ذكر « ما » تنزيلا للإناث منزلة غير العقلاء . ومنه : قوله : إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ * [ المعارج : 30 ] . المسألة الثالثة : قال الواحدي وصاحب « الكشاف » : قوله ما طابَ لَكُمْ أي ما حل لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها ، وهي الأنواع المذكورة في قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ [ النساء : 23 ] وهذا عندي فيه نظر ، وذلك لأنا بينا أن قوله : فَانْكِحُوا أمر إباحة . فلو كان المراد بقوله : ما طابَ لَكُمْ أي ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ما يقال : أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم : وذلك يخرج الآية عن الفائدة ، وأيضاً فبتقدير أن تحمل الآية على ما ذكروه تصير الآية مجملة ، لأن أسباب الحل والإباحة لما لم تكن مذكورة في هذه الآية صارت الآية مجملة لا محالة ، أما إذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب ، كانت الآية عاما دخله التخصيص . وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين الإجمال والتخصيص كان رفع الإجمال أولى ، لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، والمجمل لا يكون حجة أصلا . المسألة الرابعة : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ معناه : اثنين اثنين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا ، وهو غير منصرف وفيه وجهان : الأول : أنه اجتمع فيها أمران : العدل والوصف ، أما العدل فلأن العدل عبارة عن أنك تذكر كلمة وتريد بها كلمة أخرى ، كما تقول : عمر وزفر وتريد به عامراً وزافرا ، فكذا هاهنا تريد بقولك : مثنى : ثنتين ثنتين فكان معدولا ، وأما أنه وصف ، فدليله قوله تعالى : أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [ فاطر : 1 ] ولا شك أنه وصف .