فخر الدين الرازي

468

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ويخرجهم من النار ، فثبت دلالة هذه الآية من / هذين الوجهين على حصول العفو . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن شفاعة محمد صلى اللّه عليه وسلم في حق أصحاب الكبائر مقبولة يوم القيامة ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن هؤلاء المؤمنين طلبوا من اللّه غفران الذنوب مطلقا من غير أن قيدوا ذلك بالتوبة ، فأجاب اللّه قولهم وأعطاهم مطلوبهم فإذا قبل شفاعة المؤمنين في العفو عن الذنب ، فلأن يقبل شفاعة محمد صلى اللّه عليه وسلم فيه كان أولى . النوع الرابع : من دعائهم : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 194 ] رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 194 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ فيه حذف المضاف ثم فيه وجوه أحدها : وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك . وثانيها : وآتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك ، والدليل عليه أن هذه الآية مذكورة عقيب ذكر المنادي للايمان وهو ، الرسول وعقيب قوله : فَآمَنَّا وهو التصديق . المسألة الثانية : هاهنا سؤال : وهو أن الخلف في وعد اللّه محال ، فكيف طلبوا بالدعاء ما علموا أنه لا محالة واقع ؟ والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل ، بل المقصود منه إظهار الخضوع والذلة والعبودية ، وقد أمرنا بالدعاء في أشياء نعلم قطعا أنها توجد لا محالة ، كقوله : قل رب احكم بالحق [ الأنبياء : 112 ] وقوله : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [ غافر : 7 ] . والوجه الثاني في الجواب : أن وعد اللّه لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم ، بل إنما يتناولهم بحسب أوصافهم ، فإنه تعالى وعد المتقين بالثواب ، ووعد الفساق بالعقاب ، فقوله : وَآتِنا ما وَعَدْتَنا معناه : وفقنا للأعمال التي بها نصير أهلا لوعدك ، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب / والخزي ، وعلى هذا التقدير يكون المقصود من هذه الآية طلب التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية . الوجه الثالث : ان اللّه تعالى وعد المؤمنين بأن ينصرهم في الدنيا ويقهر عدوهم ، فهم طلبوا تعجيل ذلك ، وعلى هذا التقدير يزول الأشكال . المسألة الثالثة : الآية دلت على أنهم إنما طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق لأنهم قالوا : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وفي آخر الكلام قالوا : إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ وهذا يدل على أن المقتضي لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق . المسألة الرابعة : هاهنا سؤال آخر : وهو أنه متى حصل الثواب كان اندفاع العقاب لازما لا محالة ، فقوله : آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ طلب للثواب ، فبعد طلب الثواب كيف طلب ترك العقاب ؟ وهو قوله : وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ بل لو طلب ترك العقاب أولا ثم طلب إيصال الثواب كان الكلام مستقيما . والجواب من وجهين : الأول : أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور فقوله : آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ المراد منه المنافع ، وقوله : وَلا تُخْزِنا المراد منه التعظيم ، الثاني : أنا قد بينا أن