فخر الدين الرازي
460
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والقول الثاني : أن المراد من الذكر الصلاة ، والمعنى أنهم يصلون في حال القيام ، فان عجزوا ففي حال القعود ، فان عجزوا ففي حال الاضطجاع ، والمعنى أنهم لا يتركون الصلاة في شيء من الأحوال ، والحمل على الأول أولى لأن الآيات الكثيرة ناطقة بفضيلة الذكر ، وقال عليه الصلاة والسلام : « من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر اللّه » . المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد بهذا الذكر هو الذكر باللسان ، وأن يكون المراد منه الذكر بالقلب ، والأكمل أن يكون المراد الجمع بين الأمرين . المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي اللّه عنه : إذا صلى المريض مضطجعاً وجب أن يصلي على جنبه ، وقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : بل يصلي مستلقياً حتى إذا وجد خفة قعد ، وحجة الشافعي رضي اللّه عنه ظاهر هذه الآية ، وهو أنه تعالى مدح من ذكره على حال الاضطجاع على الجنب ، فكان هذا الوضع أولى . واعلم أن فيه دقيقة طبية وهو أنه ثبت في المباحث الطبية أن كون الإنسان مستلقياً على قفاه يمنع من استكمال الفكر والتدبر ، وأما كونه مضطجعاً على الجنب فإنه غير مانع منه ، وهذا المقام يراد فيه التدبر والتفكر ، ولأن الاضطجاع على الجنب يمنع من النوم المغرق ، فكان هذا الوضع أولى ، لكونه أقرب إلى اليقظة ، وإلى الاشتغال بالذكر . المسألة الرابعة : محل عَلى جُنُوبِهِمْ نصب على الحال عطفاً على ما قبله ، كأنه قيل : قياماً وقعوداً ومضطجعين . واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالذكر وثبت أن الذكر لا يكمل إلا مع الفكر ، لا جرم قال بعده : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى رغب في ذكر اللّه ، ولما آل الأمر إلى الفكر لم يرغب في الفكر في اللّه ، بل رغب في الفكر في أحوال السماوات والأرض ، وعلى وفق هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام : « تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق » والسبب في ذلك أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة ، إنما يمكن وقوعه على نعت المخالفة ، فاذن نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها ، وبكميتها وكيفيتها وشكلها على براءة خالقها عن الكمية والكيفية والشكل ، وقوله عليه الصلاة والسلام : « من عرف نفسه عرف ربه » معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم ، ومن عرف نفسه بالإمكان عرف ربه بالوجوب ، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء ، فكان التفكر في الخلق ممكنا من هذا الوجه ، أما التفكر في الخالق فهو غير ممكن البتة ، فاذن لا يتصور حقيقته إلا بالسلوب فنقول : إنه ليس بجوهر ولا عرض ، ولا مركب ولا مؤلف ، ولا في الجهة ، ولا شك أن حقيقته المخصوصة مغايرة لهذه السلوب ، وتلك الحقيقة المخصوصة لا سبيل للعقل إلى معرفتها فيصير العقل كالواله المدهوش المتحير في هذا الموقف فلهذا السبب نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن التفكر في اللّه ، وأمر بالتفكر في المخلوقات ، فلهذه الدقيقة أمر اللّه في هذه الآيات بذكره ، ولما ذكر الفكر لم يأمر بالتفكر فيه ، بل أمر بالفكر في مخلوقاته . المسألة الثانية : اعلم أن الشيء الذي لا يمكن معرفته بحقيقته المخصوصة إنما يمكن معرفته بآثاره وأفعاله ، فكلما كانت أفعاله أشرف وأعلى كان وقوف العقل على كمال ذلك الفاعل أكمل ، ولذلك ان العامي يعظم اعتقاده في القرآن ولكنه يكون اعتقادا تقليديا إجمالياً ، أما المفسر المحقق الذي لا يزال يطلع في كل آية