فخر الدين الرازي

278

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والجواب : يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر اللّه واجب ، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولًا عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه فإذا أخبرهم بعد ذلك أن اللّه أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه ، فتقدير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من أخذ الميثاق ، ويحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه تعالى شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين ، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية المتقدمة وجب الانقياد له ، فقوله تعالى : ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ يدل على هذين الوجهين ، أما على الوجه الأول ، فقوله رَسُولٌ وأما على الوجه الثاني ، فقوله مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ . أما قوله لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ فالمعنى ظاهر ، وذلك لأنه تعالى أوجب الإيمان به أولًا ، ثم / الاشتغال بنصرته ثانياً ، واللام في لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ لام القسم ، كأنه قيل : واللّه لتؤمنن به . ثم قال تعالى : قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي وفيه مسائل : المسألة الأولى : إن فسرنا قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ بأنه تعالى أخذ المواثيق على الأنبياء كان قوله تعالى أَ أَقْرَرْتُمْ معناه : قال اللّه تعالى للنبيّين أأقررتم بالإيمان به والنصرة له وإن فسرنا أخذ الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذوا المواثيق على الأمم كان معنى قوله قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ أي قال كل نبي لأمته أأقررتم ، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه ، وإن كان النبيون أخذوه على الأمم ، فكذلك طلب هذا الإقرار أضافه إلى نفسه وإن وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى وتأكيده ، فلم يقتصروا على أخذ الميثاق على الأمم ، بل طالبوهم بالإقرار بالقول ، وأكدوا ذلك بالإشهاد . المسألة الثانية : الإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء يقر ، إذا ثبت ولزم مكانه وأقره غيره والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته . أما قوله تعالى : وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي أي قبلتم عهدي ، والأخذ بمعنى القبول كثير في الكلام قال تعالى : وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ [ البقرة : 48 ] أي يقبل منها فدية وقال : وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ [ التوبة : 104 ] أي يقبلها والإصر هو الذي يلحق الإنسان لأجل ما يلزمه من عمل قال تعالى : وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً [ البقرة : 286 ] فسمى العهد إصراً لهذا المعنى ، قال صاحب « الكشاف » : سمى العهد إصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد ، ومنه الإصار الذي يعقد به وقرئ إِصْرِي ويجوز أن يكون لغة في إصر . ثم قال تعالى : قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ وفي تفسير قوله فَاشْهَدُوا وجوه الأول : فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ، وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضاً مِنَ الشَّاهِدِينَ وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة اللّه وشهادة بعضهم على بعض الثاني : أن قوله فَاشْهَدُوا خطاب للملائكة الثالث : أن قوله فَاشْهَدُوا أي ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه ونظيره قوله وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا [ الأعراف : 172 ] على أنفسنا وهذا من باب المبالغة الرابع : فَاشْهَدُوا أي بينوا هذا الميثاق للخاص والعام ، لكي لا يبقى لأحد عذر في الجهل به ، وأصله أن