فخر الدين الرازي

229

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [ الملك : 2 ] وحكي عن إبراهيم عليه السلام إنه قال في مناظرته مع الملك رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [ البقرة : 258 ] فلو حصل لغيره ، هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال . المسألة الثالثة : القرآن دلّ على أنه عليه الصلاة والسلام إنما تولد من نفخ جبريل عليه السلام في مريم وجبريل صلى اللّه عليه وسلم روح محض وروحاني محض فلا جرم كانت نفخة عيسى / عليه السلام للحياة والروح . المسألة الرابعة : قوله بِإِذْنِ اللَّهِ معناه بتكوين اللّه تعالى وتخليقه لقوله تعالى : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 154 ] أي إلا بأن يوجد اللّه الموت ، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة ، وتنبيهاً على إني أعمل هذا التصوير ، فأما خلق الحياة فهو من اللّه تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل . واما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات فهو قوله : وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ . ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي ولد أعمى ، وقال الخليل وغيره هو الذي عمي بعد أن كان بصيراً ، وعن مجاهد هو الذي لا يبصر بالليل ، ويقال : إنه لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب « التفسير » ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام ، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ، قال الكلبي : كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا قيوم وأحيا عاذر ، وكان صديقاً له ، ودعا سام بن نوح من قبره ، فخرج حياً ، ومرّ على ابن ميت لعجوز فدعا اللّه ، فنزل عن سريره حياً ، ورجع إلى أهله وولد له ، وقوله بِإِذْنِ اللَّهِ رفع لتوهم من اعتقد فيه الإلهية . وأما النوع الخامس من المعجزات إخباره عن الغيوب فهو قوله تعالى حكاية عنه وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في هذه الآية قولان أحدهما : أنه عليه الصلاة والسلام كان من أول مرة يخبر عن الغيوب ، روى السدي : أنه كان يلعب مع الصبيان ، ثم يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم ، وكان يخبر الصبي بأن أمك قد خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء ثم قالوا لصبيانهم : لا تلعبوا مع هذا الساحر ، وجمعوهم في بيت ، فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم ، / فقالوا له ، ليسوا في البيت ، فقال : فمن في هذا البيت ، قالوا : خنازير قال عيسى عليه السلام كذلك يكونون فإذا هم خنازير . والقول الثاني : إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر وقت نزول المائدة ، وذلك لأن القوم نهوا عن الادخار ، فكانوا يخزنون ويدخرون ، فكان عيسى عليه السلام يخبرهم بذلك . المسألة الثانية : الإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة ، وذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخير لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال يتقدم ثم يستعينون عند ذلك بآلة ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب ، ثم