فخر الدين الرازي
227
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول : تقدير الآية : ونعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ونبعثه رسولًا إلى بني إسرائيل ، قائلًا أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ والحذف حسن إذا لم يفض إلى الاشتباه الثاني : قال الزجاج : الاختيار عندي أن تقديره : ويكلم الناس رسولًا ، وإنما أضمرنا ذلك لقوله أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ والمعنى : ويكلمهم رسولا بأني قد جئتكم ، الثالث : قال الأخفش : إن شئت جعلت الواو زائدة ، والتقدير : ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة ، والإنجيل رسولًا إلى بني إسرائيل ، قائلًا : أني قد جئتكم بآية . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم كان رسولًا إلى كل بني إسرائيل بخلاف قول بعض اليهود إنه كان مبعوثاً إلى قوم مخصوصين منهم . المسألة الثالثة : المراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه تعالى عدد هاهنا أنواعاً من الآيات ، وهي إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، والإخبار عن المغيبات فكان المراد من قوله قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ الجنس لا الفرد . ثم قال : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ . اعلم أنه تعالى حكى هاهنا خمسة أنواع من معجزات عيسى عليه السلام : النوع الأول ما ذكره هاهنا في هذه الآية وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة أَنِّي بفتح الهمزة ، وقرأ نافع بكسر الهمزة فمن فتح أَنِّي فقد جعلها بدلًا من آية كأنه قال : وجئتكم بأني أخلق لكم من الطين ، ومن كسر فله وجهان أحدهما : الاستئناف وقطع الكلام مما قبله والثاني : أنه فسر الآية بقوله أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ ويجوز أن يفسر الجملة المتقدمة بما يكون على وجه الابتداء قال اللّه تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ * [ الفتح : 29 ] ثم فسّر الموعود بقوله لَهُمْ مَغْفِرَةٌ * وقال : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [ آل عمران : 59 ] ثم فسّر المثل بقوله . خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [ آل عمران : 59 ] وهذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كقراءة من فتح أَنِّي على جعله بدلًا من آية . المسألة الثانية : أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ أي أقدر وأصور وقد بينا في تفسير قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [ البقرة : 21 ] إن الخلق هو التقدير ولا بأس بأن نذكره هاهنا أيضاً فنقول الذي يدل عليه القرآن والشعر والاستشهاد ، أما القرآن فآيات أحدها : قوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] أي المقدرين ، وذلك لأنه ثبت أن العبد لا يكون خالقاً بمعنى التكوين والإبداع فوجب تفسير كونه خالقاً بالتقدير والتسوية وثانيها : أن لفظ الخلق يطلق على الكذب قال تعالى في سورة الشعراء إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ [ الشعراء : 137 ] وفي العنكبوت وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً [ العنكبوت : 17 ] وفي سورة ص إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ ص : 7 ] والكاذب إنما سمي خالقاً لأنه يقدر الكذب في خاطره ويصوره وثالثها : هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ أي أصور وأقدر وقال تعالى في المائدة وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [ المائدة : 110 ] وكل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير والتقدير ورابعها : قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] وقوله خَلَقَ إشارة إلى الماضي ، فلو حملنا قوله خَلَقَ على الإيجاد