فخر الدين الرازي

225

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه ، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة والثالث : قال أبو مسلم : معناه أنه يكلم حال كونه في المهد ، وحال كونه كهلًا على حد واحد وصفة واحدة وذلك لا شك أنه غاية في المعجز الرابع : قال الأصم : المراد منه أنه يبلغ حال الكهولة . السؤال الثالث : نقل أن عمر عيسى عليه السلام إلى أن رفع كان ثلاثاً وثلاثين سنة وستة أشهر ، وعلى هذا التقدير : فهو ما بلغ الكهولة . والجواب : من وجهين الأول : بينا أن الكهل في أصل اللغة عبارة عن الكامل التام ، وأكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين والأربعين ، فصح وصفه بكونه كهلًا في هذا الوقت والثاني : هو قول الحسين بن الفضل البجلي : أن المراد بقوله وَكَهْلًا أن يكون كهلًا بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان ، ويكلم الناس ، ويقتل الدجال ، قال الحسين بن الفضل : وفي هذه الآية نص في أنه عليه الصلاة والسلام سينزل إلى الأرض . المسألة الرابعة : أنكرت النصارى كلام المسيح عليه السلام في المهد ، واحتجوا على صحة قولهم بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ، ولا شك أن هذه الواقعة لو وقعت لوجب أن يكون وقوعها في حضور الجمع العظيم الذي يحصل القطع واليقين بقولهم ، لأن تخصيص مثل هذا المعجز بالواحد والاثنين لا يجوز ، ومتى حدثت الواقعة العجيبة جداً عند حضور الجمع العظيم فلا بد وأن تتوفر الدواعي على النقل فيصير ذلك بالغاً حد التواتر ، وإخفاء ما يكون بالغاً إلى حد التواتر ممتنع ، وأيضاً فلو كان ذلك لكان ذلك الإخفاء هاهنا ممتنعاً لأن النصارى بالغوا في إفراط محبته إلى حيث قالوا إنه كان إلهاً ، ومن كان كذلك يمتنع أن يسعى في إخفاء مناقبه وفضائله بل ربما يجعل الواحد ألفاً فثبت أن لو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى ، ولما أطبقوا على إنكارها علمنا أنه ما كان موجوداً البتة . أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة ، وقالوا : إن كلام عيسى عليه السلام في المهد إنما كان للدلالة على براءة حال مريم عليها السلام من الفاحشة ، وكان الحاضرون جمعاً قليلين ، فالسامعون لذلك الكلام ، كان جمعاً قليلًا ، ولا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء ، وبتقدير : أن يذكروا ذلك إلا أن اليهود كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت ، فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة فلأجل هذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً مخفياً إلى أن أخبر اللّه سبحانه وتعالى محمداً صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، وأيضاً فليس كل النصارى ينكرون ذلك ، فإنه نقل عن جعفر بن أبي طالب : لما قرأ على النجاشي / سورة مريم ، قال النجاشي : لا تفاوت بين واقعة عيسى ، وبين المذكور في هذا الكلام بذرة . ثم قال تعالى : وَمِنَ الصَّالِحِينَ . فإن قيل : كون عيسى كلمة من اللّه تعالى ، وكونه وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وكونه من المقربين عند اللّه تعالى ، وكونه مكلماً للناس في المهد ، وفي الكهولة كل واحد من هذه الصفات أعظم وأشرف من كونه صالحاً فلم ختم اللّه تعالى أوصاف عيسى بقوله وَمِنَ الصَّالِحِينَ ؟ . قلنا : إنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحاً لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظباً على النهج الأصلح ، والطريق الأكمل ، ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدنيا والدين في