فخر الدين الرازي

217

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وهو أنه شديد الموافقة لقوله تعالى : أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وثانيهما : أن قوله وَاذْكُرْ رَبَّكَ محمول على الذكر باللسان . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 42 إلى 43 ] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ( 42 ) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) القصة الثالثة وصفه طهارة مريم صلوات اللّه عليها [ في قوله تعالى وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : عامل الإعراب هاهنا في إِذْ هو ما ذكرناه في قوله إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ [ آل عمران : 35 ] من قوله السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثم عطف عليه إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ وقيل : تقديره واذكر إذ قالت الملائكة . المسألة الثانية : قالوا المراد بالملائكة هاهنا جبريل وحده ، وهذا كقوله يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [ النحل : 2 ] يعني جبريل ، وهذا وإن كان عدولًا عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه ، لأن / سورة مريم دلت على أن المتكلم مع مريم عليها السلام هو جبريل عليه السلام ، وهو قوله فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [ مريم : 17 ] . المسألة الثالثة : اعلم أن مريم عليها السلام ما كانت من الأنبياء لقوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [ يوسف : 109 ] وإذا كان كذلك كان إرسال جبريل عليه السلام إليها إما أن يكون كرامة لها ، وهو مذهب من يجوز كرامات الأولياء ، أو إرهاصاً لعيسى عليه السلام ، وذلك جائز عندنا ، وعند الكعبي من المعتزلة ، أو معجزة لزكرياء عليه السلام ، وهو قول جمهور المعتزلة ، ومن الناس من قال : إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام والإلقاء في القلب ، كما كان في حق أم موسى عليه السلام في قوله وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [ القصص : 7 ] . المسألة الرابعة : اعلم أن المذكور في هذه الآية أولًا : هو الاصطفاء ، وثانياً : التطهير ، وثالثاً : الاصطفاء على نساء العالمين ، ولا يجوز أن يكون الاصطفاء أولًا من الاصطفاء الثاني ، لما أن التصريح بالتكرير غير لائق ، فلا بد من صرف الاصطفاء الأول إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة في أول عمرها ، والاصطفاء الثاني إلى ما اتفق لها في آخر عمرها . النوع الأول من الاصطفاء : فهو أمور أحدها : أنه تعالى قبل تحريرها مع أنها كانت أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث وثانيها : قال الحسن : إن أمها لما وضعتها ما غذتها طرفة عين ، بل ألقتها إلى زكريا ، وكان رزقها يأتيها من الجنة وثالثها : أنه تعالى فرغها لعبادته ، وخصها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة ورابعها : أنه كفاها أمر معيشتها ، فكان يأتيها رزقها من عند اللّه تعالى على ما قال اللّه تعالى :