فخر الدين الرازي

292

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

احتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب « الكشاف » . المسألة الثانية : الطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل ، وزعم بعض أصحاب أبي حنيفة رحمة اللّه عليه إنه اسم للبر خاصة ، وهذه الآية دالة على ضعف هذا الوجه ، لأنه استثنى من لفظ الطعام ما حرم إسرائيل على نفسه ، والمفسرون اتفقوا على أن ذلك الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان شيئاً سوى الحنطة ، وسوى ما يتخذ منها ومما يؤكد ذلك قوله تعالى في صفة الماء وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [ البقرة : 249 ] وقال تعالى : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [ المائدة : 5 ] وأراد الذبائح ، وقالت عائشة رضي اللّه عنها : ما لنا طعام إلا الأسودان ، والمراد التمر والماء . إذا عرفت هذا فنقول : ظاهر هذه الآية يدل على أن جميع المطعومات كان حلًا لبني إسرائيل ثم قال القفال : لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام ، وكذا القول في الخنزير ، ثم قال فيحتمل أن يكون ذلك على الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنها كانت محرمة على إبراهيم ، وعلى هذا التقدير لا تكون الألف واللام في لفظ الطعام للاستغراق ، بل للعهد السابق ، وعلى هذا التقدير يزول الإشكال ومثله قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [ الأنعام : 145 ] فإنه إنما خرج هذا الكلام على أشياء سألوا عنها فعرفوا أن المحرم منها كذا وكذا دون غيره فكذا في هذه الآية . المسألة الثالثة : الحل مصدر يقال : حل الشيء حلًا كقولك : ذلت الدابة ذلًا وعز الرجل عزاً ، ولذلك استوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع قال تعالى : لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ [ الممتحنة : 10 ] والوصف بالمصدر يفيد المبالغة فههنا الحل والمحلل واحد ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في زمزم هي حل وبل رواه سفيان بن عيينة فسئل سفيان : ما حل ؟ فقال محلل . أما قوله تعالى : إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في الشيء الذي حرمه إسرائيل على نفسه على وجوه الأول : روى ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن يعقوب مرض مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه اللّه ليحرمن أحب الطعام والشراب عليه ، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها » وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل والثاني : قيل إنه كان به عرق النساء ، فنذر إن شفاه / اللّه أن لا يأكل شيئا من العروق الثالث : جاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر ، ونقل القفال رحمه اللّه عن ترجمة التوراة ، أن يعقوب لما خرج من حران إلى كنعان بعث برداً إلى عيصو أخيه إلى أرض ساعير ، فانصرف الرسول إليه ، وقال : إن عيصو هو ذا يتلقاك ومعه أربعمائة رجل ، فذعر يعقوب وحزن جداً وصلّى ودعا وقدم هدايا لأخيه وذكر القصة إلى أن ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل ، فدنا ذلك الرجل ووضع إصبعه على موضع عرق النسا ، فخدرت تلك العصبة وجفت فمن أجل هذا لا يأكل بنو إسرائيل العروق . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن إسرائيل حرم ذلك على نفسه ، وفيه سؤال : وهو أن التحريم والتحليل إنما يثبت بخطاب اللّه تعالى ، فكيف صار تحريم يعقوب عليه السلام سبباً لحصوله الحرمة . أجاب المفسرون عنه من وجوه الأول : أنه لا يبعد أن الإنسان إذا حرم شيئاً على نفسه فإن اللّه يحرمه عليه ألا