فخر الدين الرازي

193

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثانية : إنما كسرت الذال من يتخذ لأنها مجزوم للنهي ، وحركت لاجتماع الساكنين قال الزجاج : ولو رفع على الخبر لجاز ، ويكون المعنى على الرفع أن من كان مؤمناً فلا ينبغي أن يتخذ الكافر ولياً . واعلم أن معنى النهي ومعنى الخبر يتقاربان لأنه متى كانت صفة المؤمن أن لا يوالي الكافر كان لا محالة منهياً عن موالاة الكافر ، ومتى كان منهياً عن ذلك ، كان لا محالة من شأنه وطريقته أن لا يفعل ذلك . المسألة الثالثة : قوله مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أي من غير المؤمنين كقوله وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ البقرة : 23 ] أي من غير اللّه ، وذلك لأن لفظ دون مختص بالمكان ، تقول : زيد جلس دون عمرو أي في مكان أسفل منه ، ثم إن من كان مبايناً لغيره في المكان فهو مغاير له فجعل لفظ دون مستعملًا في معنى غير ، ثم قال تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وفيه حذف ، والمعنى فليس من ولاية اللّه في شيء يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ من ولاية اللّه تعالى رأساً ، وهذا أمر معقول فإن موالاة الولي ، وموالاة عدوه ضدان قال الشاعر : تود عدوي ثم تزعم أنني * صديقك ليس النوك عنك بعازب ويحتمل أن يكون المعنى : فليس من دين اللّه في شيء وهذا أبلغ . ثم قال تعالى : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ الكسائي : تقاة بالإمالة ، وقرأ نافع وحمزة : بين التفخيم والإمالة ، والباقون بالتفخيم ، وقرأ يعقوب تقية وإنما جازت الإمالة لتؤذن أن الألف من الياء ، وتقاة وزنها فعلة نحو تؤدة وتخمة ، ومن فخم فلأجل الحرف المستعلي وهو القاف . المسألة الثانية : قال الواحدي : تقيته تقاة ، وتقى ، وتقية ، وتقوى ، فإذا قلت اتقيت كان مصدره الأتقياء ، وإنما قال تتقوا ثم قال تقاة ولم يقل اتقاء اسم وضع موضع المصدر ، كما يقال : جلس جلسة ، وركب ركبة ، وقال اللّه تعالى : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً [ آل عمران : 37 ] وقال الشاعر : وبعد عطائك المائة الرتاعا فأجراه مجرى الإعطاء ، قال : ويجوز أن يجعل تقاة هاهنا مثل رماة فيكون حالًا مؤكدة . المسألة الثالثة : قال الحسن أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول اللّه ؟ قال : نعم نعم نعم ، فقال : أفتشهد أنى رسول اللّه ؟ / قال : نعم ، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ، ومحمد رسول قريش ، فتركه ودعا الآخر فقال أتشهد أن محمداً رسول اللّه ؟ قال : نعم ، قال : أفتشهد أني رسول اللّه ؟ فقال : إني أصم ثلاثا ، فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئاً له ، وأما الآخر فقبل رخصة اللّه فلا تبعة عليه . واعلم أن نظير هذه الآية قوله تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] . المسألة الرابعة : اعلم أن للتقية أحكاماً كثيرة ونحن نذكر بعضها . الحكم الأول : أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ، ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان ، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان ، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة ، ولكن بشرط