فخر الدين الرازي
97
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فإن قيل : فهل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر ؟ . قلنا : لا لأن هذا محمول على العادة ، ليس في العادة أن يكتبوا التافه . المسألة الثانية : ( أن ) في محل النصب لوجهين : إن شئت جعلته مع الفعل مصدراً فتقديره : ولا تسأموا كتابته ، وإن شئت بنزع الخافض تقديره : ولا تسأموا من أن تكتبوه إلى أجله . المسألة الثالثة : الضمير في قوله أَنْ تَكْتُبُوهُ لا بد وأن يعود إلى المذكور سابقاً ، وهو هاهنا إما الدين وإما الحق . المسألة الرابعة : قرئ ( ولا يسأموا أن يكتبوه ) بالياء فيهما . ثم قال تعالى : ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا اعلم أن اللّه تعالى بيّن أن الكتبة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث : الفائدة الأولى : قوله ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وفي قوله ذلِكُمْ وجهان الأول : أنه إشارة إلى قوله أَنْ تَكْتُبُوهُ لأنه في معنى المصدر ، أي ذلك الكتب أقسط والثاني : قال القفال رحمه اللّه : ذلكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أعدل عند اللّه ، والقسط اسم ، والإقساط مصدر ، يقال : أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطاً إذا عدل فهو مقسط ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * [ الممتحنة : 8 ] [ الحجرات : 9 ] ويقال : هو قاسط إذا جار ، قال تعالى : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [ الجن : 15 ] وإنما كان هذا أعدل عند اللّه ، لأنه إذا كان مكتوباً كان إلى اليقين والصدق أقرب ، وعن الجهل والكذب أبعد ، فكان أعدل عند اللّه وهو كقوله تعالى : ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [ الأحزاب : 5 ] أي أعدل عند اللّه ، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم . والفائدة الثانية : قوله أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ معنى أَقْوَمُ أبلغ في الاستقامة ، التي هي ضد الاعوجاج ، وذلك لأن المنتصب القائم ، ضد المنحني المعوج . فإن قيل : مم بنى أفعل التفضيل ؟ أعني : أقسط وأقوم . قلنا : يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ، ويجوز أن يكون أقسط من قاسط ، وأقوم من قويم . واعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة ، لأنها سبب للحفظ والذكر ، فكانت أقرب إلى الاستقامة ، والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى : تتعلق بتحصيل مرضاة اللّه تعالى ، والثانية : / بتحصيل مصلحة الدنيا ، وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعارا بأن الدين يجب تقديمه على الدنيا . والفائدة الثالثة : هي قوله وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا يعني أقرب إلى زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين ، والفرق بين الوجهين الأولين ، وهذا الثالث الوجهين الأولين يشيران إلى تحصيل المصلحة ، فالأول : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدين ، والثاني : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا وهذا الثالث : إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير ، أما عن النفس فإنه لا يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان ، وهذا الذي قلت هل كان صدقاً أو كذباً ، وأما دفع الضرر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع في عقاب الغيبة والبهتان ، فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط ، وما أحسن ما فيها من الترتيب .