فخر الدين الرازي

88

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

281 ] فقال جبريل عليه السلام : يا محمد ضعها على رأس ثمانين آية ومائتي آية من البقرة ، وعاش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعدها أحدا وثمانين يوماً ، وقيل : أحدا وعشرين وقيل : سبعة أيام ، وقيل : ثلاث ساعات . المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو تُرْجَعُونَ بفتح التاء والباقون بضم التاء واعلم أن الرجوع لازم ، والرجع متعد ، وعليه تخرج القراءتان . المسألة الثالثة : انتصب يَوْماً على المفعول به ، لا على الظرف ، لأنه ليس المعنى : واتقوا في هذا اليوم ، لكن المعنى تأهبوا للقائه بما تقدمون من العمل الصالح ، ومثله قوله فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً [ المزمل : 17 ] أي كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا وصفه مع الكفر باللّه . المسألة الرابعة : قال القاضي : اليوم عبارة عن زمان مخصوص ، وذلك لا يتقي ، وإنما يتقي ما يحدث فيه من الشدة والأهوال واتقاء تلك الأهوال لا يمكن إلا في دار الدنيا بمجانبة المعاصي الواجبات ، فصار قوله وَاتَّقُوا يَوْماً يتضمن الأمر بجميع أقسام التكاليف . المسألة الخامسة : الرجوع إلى اللّه تعالى ليس ، المراد منه ما يتعلق بالمكان والجهة فإن ذلك محال على اللّه تعالى ، وليس المراد منه الرجوع إلى علمه وحفظه ، فإنه معهم أينما كانوا لكن كل ما في القرآن من قوله تُرْجَعُونَ ( فِيهِ ) إِلَى اللَّهِ له معنيان الأول : أن الإنسان له أحوال ثلاثة على الترتيب . فالحالة الأولى : كونهم في بطون أمهاتهم ، ثم لا يملكون نفعهم ولا ضرهم ، بل المتصرف فيهم / ليس إلا اللّه سبحانه وتعالى . والحالة الثانية : كونهم بعد البروز عن بطون أمهاتهم ، وهناك يكون المتكفل بإصلاح أحوالهم في أول الأمر الأبوين ، ثم بعد ذلك يتصرف بعضهم في البعض في حكم الظاهر . والحالة الثالثة : بعد الموت وهناك لا يكون المتصرف فيهم ظاهراً في الحقيقة إلا اللّه سبحانه ، فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها قبل الدخول في الدنيا ، فهذا هو معنى الرجوع إلى اللّه والثاني : أن يكون المراد يرجعون إلى ما أعد اللّه لهم من ثواب أو عقاب ، وكلا التأويلين حسن مطابق للفظ . ثم قال : ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد أن كل مكلف فهو عند الرجوع إلى اللّه لا بد وأن يصل إليه جزاء عمله بالتمام ، كما قال : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] وقال : إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [ لقمان : 16 ] وقال : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [ الأنبياء : 47 ] وفي تأويل قوله ما كَسَبَتْ وجهان الأول : أن فيه حذفاً والتقدير جزاء ما كسبت والثاني : أن المكتسب هو ذلك الجزاء ، لأن ما يحصله الرجل بتجارته من المال فإنه يوصف في اللغة بأنه مكتسبه ، فقوله تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي توفى كل نفس مكتسبها ، وهذا التأويل أولى ، لأنه مهما أمكن تفسير الكلام بحيث لا يحتاج فيه إلى الإضمار كان أولى . المسألة الثانية : الوعيدية يتمسكون بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق ، وأصحابنا يتمسكون بها في