فخر الدين الرازي

84

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قرءا كذلك ( فآذنوا ) ممدودة ، أي فاعلموا من قوله تعالى : فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ [ الأنبياء : 109 ] ومفعول الإيذان محذوف في هذه الآية ، والتقدير : فاعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من اللّه ورسوله ، وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضاً قد علموا ذلك لكن ليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم ، فهذه القراءة في البلاغة آكد ، وقال أحمد بن يحيى : قراءة العامة من الاذن ، أي كونوا على علم وإذن ، وقرأ الحسن ( فأيقنوا ) وهو دليل لقراءة العامة . المسألة الثانية : اختلفوا في أن الخطاب بقوله فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا ، أو هو خطاب مع الكفار المستحلين للربا ، الذين قالوا إنما البيع مثل الربا ، قال القاضي : والاحتمال الأول أولى ، لأن قوله فَأْذَنُوا خطاب مع قوم تقدم ذكرهم ، وهم المخاطبون بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا وذلك يدل على أن الخطاب مع المؤمنين . فإن قيل : كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين ؟ قلنا : هذه اللفظة قد تطلق على من عصى اللّه غير مستحل ، كما جاء في الخبر « من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة » و عن جابر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من اللّه ورسوله » وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله تعالى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ المائدة : 33 ] أصلًا في قطع الطريق من المسلمين ، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب اللّه وفي سنّة رسوله . إذا عرفت هذا فنقول : في الجواب عن السؤال المذكور وجهان الأول : المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب والثاني : المراد نفس الحرب وفيه تفصيل ، فنقول : الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم اللّه من التعزيز والحبس إلى أن تظهر منه التوبة ، وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة ، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية وكما حارب أبو بكر رضي اللّه عنه مانعي الزكاة ، وكذا القوم لو اجتمعوا على ترك الأذان ، وترك دفن الموتى ، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : من عامل بالربا يستتاب فإن تاب وإلا ضرب عنقه . والقول الثاني : في هذه الآية أن قوله فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا [ البقرة : 279 ] خطاب للكفار ، وأن معنى الآية وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ البقرة : 278 ] معترفين بتحريم الربا فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ومن ذهب إلى هذا القول قال : إن فيه دليلًا على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام كان كافراً ، كما لو كفر بجميع شرائعه . ثم قال تعالى : وَإِنْ تُبْتُمْ والمعنى على القول الأول تبتم من معاملة الربا ، وعلى القول الثاني من استحلال الربا فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ أي لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة على رأس المال ، ولا تظلمون أي بنقصان رأس المال . ثم قال تعالى : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال النحويون ( كان ) كلمة تستعمل على وجوه أحدها : أن تكون بمنزلة حدث ووقع ، وذلك في قوله : قد كان الأمر ، أي وجد ، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر والثاني : أن يخلع منه معنى الحدث ، فتبقى