فخر الدين الرازي
8
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ثم إنه تعالى لما بين أنه حي قيوم أكد ذلك بقوله لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ والمعنى : أنه لا يغفل عن تدبير الخلق ، لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة لاختل أمر الطفل ، فهو سبحانه قيم جميع المحدثات ، وقيوم الممكنات ، فلا يمكن أن يغفل عن تدبيرهم ، فقوله لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ كالتأكيد لبيان كونه تعالى قائماً ، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل : إنك لو سنان نائم ، ثم إنه تعالى لما بيّن كونه قيوماً بمعنى كونه قائماً بذاته ، مقوماً لغيره ، رتب عليه حكماً وهو قوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لأنه لما كان كل ما سواه إنما تقومت ماهيته ، وإنما يحصل وجوده بتقويمه وتكوينه وتخليقه لزم أن يكون كل ما سواه ملكاً له وملكاً له ، وهو المراد من قوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ثم لما ثبت أنه هو الملك والمالك لكل ما سواه ، ثبت أن حكمه في الكل جار ليس لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره ، وهو المراد بقوله مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ثم لما بيّن أنه يلزم من كونه مالكاً للكل ، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه ، بيّن أيضاً أنه يلزم من كونه عالما بالكل وكون غيره غير عالم بالكل ، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه إلا بإذنه ، وهو قوله يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وهو إشارة إلى كونه سبحانه عالماً بالكل ، ثم قال : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ وهو إشارة إلى كون غيره غير عالم بجميع المعلومات ، ثم إنه لما بيّن كمال ملكه وحكمه في السماوات وفي الأرض ، بيّن أن ملكه فيما وراء السماوات والأرض أعظم وأجل ، وأن ذلك مما لا تصل إليه أوهام المتوهمين وينقطع دون الارتقاء إلى أدنى درجة من درجاتها المتخيلين ، فقال : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ثم بيّن أن نفاذ حكمه وملكه في الكل على نعت واحد ، وصورة واحدة ، فقال : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما ثم لما بين كونه قيوماً بمعنى كونه مقوماً للمحدثات والممكنات والمخلوقات ، بيّن كونه قيوماً بمعنى قائماً بنفسه وذاته ، منزّها عن الاحتياج إلى غيره في أمر من الأمور ، فتعالى عن أن يكون متحيزاً حتى يحتاج إلى مكان ، أو متغيراً حتى يحتاج إلى زمان ، فقال : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ فالمراد منه العلو والعظمة ، بمعنى أنه لا يحتاج إلى غيره في أمر من الأمور ، ولا ينسب غيره في صفة من الصفات ولا في نعت من النعوت ، فقال : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ إشارة إلى ما بدأ به في الآية من كونه قيوماً بمعنى كونه قائماً بذاته مقوماً لغيره ، ومن أحاط عقله بما ذكرنا علم أنه ليس عند العقول البشرية من الأمور الإلهية كلام أكمل ، ولا برهان أوضح مما اشتملت عليه هذه الآيات . وإذا عرفت هذه الأسرار ، فلنرجع إلى ظاهر التفسير . أما قوله اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : اللَّهُ رفع بالابتداء ، وما بعده خبره . المسألة الثانية : قال بعضهم : الإله هو المعبود ، وهو خطأ لوجهين الأول : أنه تعالى كان إلهاً في الأزل ، وما كان معبوداً والثاني : أنه تعالى أثبت معبوداً سواه في القرآن بقوله إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ الأنبياء : 98 ] بل الإله هو القادر على ما إذا فعله كان مستحقاً للعبادة . أما قوله الْحَيُّ ففيه مسائل : المسألة الأولى : الحي أصله حيي كقوله : حذر وطمع فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما ، وقال ابن الأنباري : أصله الحيو ، فلما اجتمعت الياء والواو ثم كان السابق ساكناً فجعلنا ياء مشددة .