فخر الدين الرازي

58

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الرحمن ترجحه الحكمة والعقل ، ووعد الشيطان ترجحه الشهوة والنفس من حيث إنهما يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة واتباع أحكام الخيال والوهم ، ولا شك أن حكم الحكمة والعقل هو الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ والخلل ، وحكم الحس والشهوة والنفس توقع الإنسان في البلاء والمحنة ، فكان حكم الحكمة والعقل أولى بالقبول ، فهذا هو الإشارة إلى وجه النظم . بقي في الآية مسائل : المسألة الأولى : المراد من الحكمة إما العلم وإما فعل الصواب يروى عن مقاتل أنه قال : تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه أحدها : مواعظ القرآن ، قال في البقرة وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ [ البقرة : 231 ] يعني مواعظ القرآن وفي النساء وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يعني المواعظ ، ومثلها في آل عمران وثانيها : الحكمة بمعنى الفهم والعلم ، ومنه قوله تعالى : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [ مريم : 12 ] وفي لقمان وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [ لقمان : 12 ] يعني الفهم والعلم وفي الأنعام أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ [ الأنعام : 89 ] وثالثها : الحكمة بمعنى النبوّة في النساء فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [ النساء : 54 ] يعني النبوّة ، وفي ص وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [ ص : 20 ] يعني النبوّة ، وفي البقرة وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ [ البقرة : 251 ] ورابعها : القرآن بما فيه من عجائب الأسرار في النحل ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [ النحل : 125 ] وفي هذه الآية وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ، ثم تأمل أيها المسكين فإنه تعالى ما أعطى إلا القليل من العلم ، قال تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] وسمى الدنيا بأسرها قليلا ، فقال : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [ النساء : 77 ] وانظر كم مقدار هذا القليل حتى تعرف عظمة ذلك الكثير ، والبرهان العقلي أيضاً يطابقه لأن الدنيا متناهية المقدار ، متناهية المدة ، والعلوم لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها ، والسعادة / الحاصلة منها ، وذلك ينبئك على فضيلة العلم والاستقصاء في هذا الباب قد مرّ في تفسير قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] وأما الحكمة بمعنى فعل الصواب فقيل في حدها : إنها التخلق بأخلاق اللّه بقدر الطاقة البشرية ، ومداد هذا المعنى على قوله صلى اللّه عليه وسلم : « تخلقوا بأخلاق اللّه تعالى » واعلم أن الحكمة لا يمكن خروجها عن هذين المعنيين ، وذلك لأن كمال الإنسان في شيئين : أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، فالمرجع بالأول : إلى العلم والإدراك المطابق ، وبالثاني : إلى فعل العدل والصواب ، فحكي عن إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم قوله رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً [ الشعراء : 83 ] وهو الحكمة النظرية وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ الشعراء : 83 ] الحكمة العملية ، ونادى موسى عليه السلام فقال : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وهو الحكمة النظرية ، ثم قال : فَاعْبُدْنِي وهو الحكمة العملية ، وقال عن عيسى عليه السلام إنه قال : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [ مريم : 30 ] الآية ، وكل ذلك للحكمة النظرية ، ثم قال : وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا [ مريم : 31 ] وهو الحكمة العملية ، وقال في حق محمد صلى اللّه عليه وسلم : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمد : 19 ] وهو الحكمة النظرية ، ثم قال : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ غافر : 55 ] [ محمد : 19 ] وهو الحكمة العملية ، وقال في جميع الأنبياء يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا [ النحل : 2 ] وهو الحكمة النظرية : ثم قال : فَاتَّقُونِ وهو الحكمة العملية ، والقرآن هو من الآية الدالة على أن كمال حال الإنسان ليس إلا في هاتين القوتين ، قال أبو مسلم : الحكمة فعلة من الحكم ، وهي كالنحلة من النحل ، ورجل حكيم إذا كان ذا حجى