فخر الدين الرازي
55
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بالإغماض فيه ، ونظيره إضمار التي في قوله تعالى : فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها [ البقرة : 256 ] والمعنى الوثقى التي لا انفصام لها . أما قوله تعالى : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : الإغماض في اللغة غض البصر ، وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض ، وهو الخفاء يقال : هذا الكلام غامض أي خفي الإدراك والغمض المتطامن الخفي من الأرض . المسألة الثانية : في معنى الإغماض في هذه الآية وجوه الأول : أن المراد بالإغماض هاهنا المساهلة ، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضاً ، فقوله وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يقول لو أهدى إليكم مثل هذه الأشياء لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض ، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم والثاني : أن يحمل الإغماض على المتعدى كما تقول : أغمضت بصر الميت وغمضته والمعنى ولستم بآخذيه إلا إذا أغمضتم بصر البائع يعني أمرتموه بالإغماض والحط من الثمن . ثم ختم الآية بقوله وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ والمعنى أنه غني عن صدقاتكم ، ومعنى حميد ، أي / محمود على ما أنعم بالبيان وفيه وجه آخر ، وهو أن قوله غَنِيٌّ كالتهديد على إعطاء الأشياء الرديئة في الصدقات و حَمِيدٌ بمعنى حامد أي أنا أحمدكم على ما تفعلونه من الخيرات وهو كقوله فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 268 ] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 268 ) اعلم أنه تعالى لما رغب الإنسان في إنفاق أجود ما يملكه حذره بعد ذلك من وسوسة الشيطان فقال : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ أي يقال إن أنفقت الأجود صرت فقيراً فلا تبال بقوله فإن الرحمن يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في الشيطان فقيل إبليس وقيل سائر الشياطين وقيل شياطين الجن والإنس وقيل النفس الأمارة بالسوء . المسألة الثانية : الوعد يستعمل في الخير والشر ، قال اللّه تعالى : النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الحج : 72 ] ويمكن أن يكون هذا محمولًا على التهكم ، كما في قوله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * . المسألة الثالثة : الفقر والفقر لغتان ، وهو الضعيف بسبب قلة المال وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار ، يقال : رجل فقر وفقير إذا كان مكسور الفقار ، قال طرفة . إنني لست بمرهون فقر قال صاحب « الكشاف » : قريء الفقر بالضم والفقر بفتحتين . المسألة الرابعة : أما الكلام في حقيقة الوسوسة ، فقد ذكرناه في أول الكتاب في تفسير ( أعوذ باللّه من