فخر الدين الرازي
38
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فإن ذلك لا يتعدى بإلى وإنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن . قلنا : التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجئ إلى التزامه خلاف الظاهر والثالث : أن الضمير في قوله ثُمَّ ادْعُهُنَّ عائد إليها لا إلى أجزائها ، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائداً إلى تلك الأجزاء لا إليها ، وهو خلاف الظاهر ، وأيضاً الضمير في قوله يَأْتِينَكَ سَعْياً عائدا إلى أجزائها لا إلى إجزائها ، وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في يَأْتِينَكَ عائدا إلى أجزائها لا إليها ، واحتج القائلون بالقول المشهور بوجوه الأول : أن كل المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم أجمعوا على أنه حصل ذبح تلك الطيور وتقطيع أجزائها ، فيكون إنكار ذلك إنكاراً للإجماع والثاني : أن ما ذكره غير مختص بإبراهيم صلى اللّه عليه وسلم ، فلا يكون له فيه مزية على الغير والثالث : أن إبراهيم أراد أن يريه اللّه كيف يحيي الموتى ، وظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ذلك ، وعلى قول أبي مسلم لا تحصل الإجابة في الحقيقة والرابع : أن قوله ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً يدل على أن تلك الطيور جعلت جزأ جزأ ، قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه : أنه أضاف الجزء إلى الأربعة فيجب أن يكون المراد بالجزء هو الواحد من تلك الأربعة والجواب : أن ما ذكرته وإن كان محتملًا إلا أن حمل الجزء على ما ذكرناه أظهر والتقدير : فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءاً أو بعضاً . أما قوله تعالى : ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ففيه مسائل : المسألة الأولى : ظاهر قوله عَلى كُلِّ جَبَلٍ جميع جبال الدنيا ، فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان ، كأنه قيل : فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه ، وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة وعلى حسب الجهات الأربعة أيضاً أعني المشرق والمغرب والشمال والجنوب ، وقال السدي وابن جريج : سبعة من الجبال لأن المراد كل جبل يشاهده إبراهيم عليه السلام حتى يصح منه دعاء الطير ، لأن ذلك لا يتم إلا بالمشاهدة ، والجبال التي كان يشاهدها إبراهيم عليه السلام سبعة . المسألة الثانية : روي أنه صلى اللّه عليه وسلم أمر بذبحها ونتف ريشها وتقطيعها جزءاً جزءاً وخلط دمائها ولحومها ، وأن يمسك رؤوسها ، ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعاً من كل طائر ، ثم يصيح بها : تعالين بإذن اللّه تعالى ، ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر حتى تكاملت الجثث ، ثم أقبلت كل جثة إلى رأسها وانضم كل رأس إلى جثته ، وصار الكل أحياء بإذن اللّه تعالى . المسألة الثالثة : قرأ عاصم في رواية أبي بكر والفضل جُزْءاً مثقلًا مهموزاً حيث وقع ، والباقون مهمزاً مخففاً وهما لغتان بمعنى واحد . أما قوله تعالى : ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً فقيل عدواً ومشياً على أرجلهن ، لأن ذلك أبلغ في الحجة ، وقيل طيراناً وليس يصح ، لأنه لا يقال للطير إذا طار : سعى ، ومنهم من أجاب عنه بأن السعي هو الاشتداد في الحركة ، فإن كانت الحركة طيراناً فالسعي فيها هو الاشتداد في تلك الحركة . وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن البنية ليست شرطاً في صحة الحياة ، وذلك لأنه تعالى جعل كل