فخر الدين الرازي

34

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 260 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 260 ) القصة الثالثة وهي أيضاً دالة على صحة البعث : في قوله تعالى وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى في الآية مسائل : المسألة الأولى : في عامل إِذْ قولان قال الزجاج التقدير : اذكر إذ قال إبراهيم ، وقال غيره إنه معطوف على قوله أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ ألم تر إذ حاج إبراهيم في ربه ، وألم تر إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى . المسألة الثانية : أنه تعالى لم يسم عزيراً حين قال : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [ البقرة : 259 ] وسمى هاهنا إبراهيم مع أن المقصود من البحث في كلتا القصتين شيء واحد ، والسبب أن عزيراً لم يحفظ الأدب ، بل قال : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها وإبراهيم حفظ الأدب فإنه أثنى على اللّه أولًا بقوله رَبِّ ثم دعا حيث قال : أَرِنِي وأيضاً أن إبراهيم لما راعى الأدب جعل الإحياء والإماتة في الطيور ، وعزيراً لما لم يراع الأدب جعل الإحياء والإماتة في نفسه . المسألة الثالثة : ذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً الأول : قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج : أنه رأى جيفة مطروحة في شط البحر فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر ، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت ، وإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت ، فقال إبراهيم : رب أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر ، فقيل : أو لم تؤمن قال بلى ولكن المطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضرورياً . الوجه الثاني : قال محمد بن إسحاق والقاضي : سبب السؤال أنه مع مناظرته مع نمروذ لما قال : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ فأطلق محبوساً وقتل رجلًا قال إبراهيم : ليس هذا بإحياء وإماتة ، وعند ذلك قال : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى لتنكشف هذه المسألة عند نمروذ وأتباعه ، وروي عن نمرود أنه قال : قل لربك حتى يحيي وإلا قتلتك ، فسأل اللّه تعالى ذلك ، وقوله لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بنجاتي من القتل أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني ، وإن عدولي منها إلى غيرها ما كان بسبب ضعف تلك الحجة ، بل كان بسبب جهل المستمع . والوجه الثالث : قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي رضي اللّه عنهم : أن اللّه تعالى أوحى إليه إني متخذ بشراً خليلًا : فاستعظم ذلك إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم ، وقال إلهي ما علامات ذلك ؟ فقال : علامته أنه يحيي الميت بدعائه ، فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في درجات العبودية وأداء الرسالة ، خطر بباله : إني لعلي أن أكون ذلك الخليل ، فسأل إحياء الميت فقال اللّه أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على أنني خليل لك .