فخر الدين الرازي
30
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أما قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثَهُ فالمعنى : ثم أحياه ، ويوم القيامة يسمى يوم البعث لأنهم يبعثون من قبورهم ، وأصله من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها ، وإنما قال ثُمَّ بَعَثَهُ ولم يقل : ثم أحياه لأن قوله ثُمَّ بَعَثَهُ يدل على أنه عاد كما كان أولًا حياً عاقلًا فهما مستعدا للنظر والاستدلال في المعارف الإلهية ، ولو قال : ثم أحياه لم تحصل هذه الفوائد . / أما قوله تعالى : قالَ كَمْ لَبِثْتَ ففيه مسائل : المسألة الأولى : فيه وجهان من القراءة ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإدغام والباقون بالإظهار ، فمن أدغم فلقرب المخرجين ومن أظهر فلتباين المخرجين وإن كانا قريبين . المسألة الثانية : أجمعوا على أن قائل هذا القول هو اللّه تعالى وإنما عرف أن هذا الخطاب من اللّه تعالى ، لأن ذلك الخطاب كان مقروناً بالمعجز ، ولأنه بعد الإحياء شاهد من أحوال حماره وظهور البلى في عظامه ما عرف به أن تلك الخوارق لم تصدر إلا من اللّه تعالى . المسألة الثالثة : في الآية إشكال ، وهو أن اللّه تعالى كان عالماً بأنه كان ميتاً وكان عالماً بأن الميت لا يمكنه بعد أن صار حياً أن يعلم أن مدة موته كانت طويلة أم قصيرة ، فمع ذلك لأي حكمة سأله عن مقدار تلك المدة . والجواب عنه : أن المقصود من هذا السؤال التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق . أما قوله تعالى : لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ففيه سؤالات : السؤال الأول : لم ذكر هذا الترديد ؟ . الجواب : أن الميت طالت مدة موته أو قصرت فالحال واحدة بالنسبة إليه فأجاب بأقل ما يمكن أن يكون ميتاً لأنه اليقين ، وفي التفسير أن إماتته كانت في أول النهار ، فقال يَوْماً ثم لما نظر إلى ضوء الشمس باقياً على رؤوس الجدران فقال : أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ . السؤال الثاني : أنه لما كان اللبث مائة عام ، ثم قال : لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أليس هذا يكون كذباً ؟ . والجواب : أنه قال ذلك على حسب الظن ، ولا يكون مؤاخذاً بهذا الكذب ، ونظيره أنه تعالى حكى عن أصحاب الكهف أنهم قالوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [ الكهف : 19 ] على ما توهموه ووقع عندهم ، وأيضا قال أخوة يوسف عليه السلام : يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا [ يوسف : 81 ] وإنما قالوا ذلك بناء على الأمارة من إخراج الصواع من رحله . السؤال الثالث : هل علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، أو لم يعلم ذلك بل كان يعتقد أن ذلك اللبث بسبب الموت . الجواب : الأظهر أنه علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، وذلك لأن الغرض الأصلي في إماتته ثم إحيائه بعد مائة عام أن يشاهد الإحياء بعد الإماتة وذلك لا يحصل إلا إذا عرف أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، وهو أيضاً قد شاهد إما في نفسه ، أو في حماره أحوالًا دالة على أن ذلك اللبث كان بسبب الموت .