فخر الدين الرازي
460
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
حجة الشافعي رضي اللّه عنه من وجوه : الحجة الأولى : أنه ليس المقصود من قوله : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ هو التمام بحسب حاجة الصبي إلى ذلك ، إذ من المعلوم أن الصبي كما يستغني عن اللبن عند تمام الحولين ، فقد يحتاج إليه بعد الحولين لضعف في تركيبه لأن الأطفال يتفاوتون في ذلك ، وإذا لم يجز أن يكون المراد بالتمام هذا المعنى ، وجب أن يكون المراد هو الحكم المخصوص المتعلق بالرضاع ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على أن حكم الرضاع لا يثبت إلا عند حصول الإرضاع في هذه المدة . الحجة الثانية : روي عن علي رضي اللّه عنه أنه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا رضاع بعد فصال » وقال تعالى : وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [ لقمان : 14 ] . الحجة الثالثة : ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه أنه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين » . والوجه الثالث : في المقصود من هذا التحديد ما روى ابن عباس أنه قال للتي تضع لستة أشهر أنها ترضع حولين كاملين ، فإن وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرا ، وقال آخرون : الحولان هذا الحد في رضاع كل مولود ، وحجة ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه تعالى قال : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] دلت هذه الآية على أن زمان هاتين الحالتين هو هذا القدر من / الزمان ، فكما ازداد في مدة إحدى الحالتين انتقص من مدة الحالة الأخرى . المسألة الثالثة : روي أن رجلا جاء إلى علي رضي اللّه عنه فقال : تزوجت جارية بكرا وما رأيت بها ريبة ، ثم ولدت لستة أشهر ، فقال علي رضي اللّه عنه قال اللّه : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً وقال تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ فالحمل ستة أشهر الولد ولدك ، وعن عمر أنه جيء بامرأة وضعت لستة أشهر ، فشاور في رجمها ، فقال ابن عباس : إن خاصمتكم بكتاب اللّه خصمتكم ، ثم ذكر هاتين الآيتين واستخرج منهما أن أقل الحمل ستة أشهر . أما قوله تعالى : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن عباس رضي اللّه عنهما : أن يكمل الرضاعة وقرئ الرضاعة بكسر الراء . المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان الأول : أن تقدير الآية : هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة ، وعن قتادة أنزل اللّه حولين كاملين ، ثم أنزل اليسر والتخفيف فقال : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ والمعنى أنه تعالى جوز النقصان بذكر هذه الآية والثاني : أن اللام متعلقة بقوله : يُرْضِعْنَ كما تقول : أرضعت فلانة لفلان ولده ، أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الإرضاع من الآباء ، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم لما بيناه . أما قوله تعالى : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : الْمَوْلُودِ لَهُ هو الوالد ، وإنما عبر عنه بهذا الاسم لوجوه الأول : قال صاحب