فخر الدين الرازي

456

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الاستدلال بناء على أن هذا الخطاب مع الأولياء ، وقد تقدم ما فيه من المباحث ، ثم إن سلمنا هذه المقدمة لكن لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ أن يخليها ورأيها في ذلك ، وذلك لأن الغالب في النساء الأيامى أن يركن إلى رأي الأولياء في باب النكاح ، وإن كان الاستئذان الشرعي لهن ، وإن يكن تحت تدبيرهم ورأيهم ، وحينئذ يكونون متمكنين من منعهن لتمكنهم من تزويجهن ، فيكون النهي محمولا على هذا الوجه ، وهو منقول عن ابن عباس في تفسير الآية ، وأيضا فثبوت العضل في حق الولي ممتنع ، لأنه مهما عضل لا يبقى لعضله أثر ، وعلى هذا الوجه فصدور العضل عنه غير معتبر ، وتمسك أبو حنيفة رضي اللّه عنه بقوله تعالى : أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ على أن النكاح بغير ولي جائز ، وقال إنه / تعالى أضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله ، والتصرف إلى مباشره ، ونهى الولي عن منعها من ذلك ، ولو كان ذلك التصرف فاسدا لما نهى الولي عن منعها منه ، قالوا : وهذا النص متأكد بقوله تعالى : حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [ البقرة : 230 ] وبقوله : فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [ البقرة : 234 ] وتزويجها نفسها من الكفء فعل بالمعروف فوجب أن يصح ، وحقيقة هذه الإضافة على المباشر دون الخطاب ، وأيضا قوله تعالى : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها [ الأحزاب : 50 ] دليل واضح مع أنه لم يحضر هناك ولي البتة ، وأجاب أصحابنا بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر قد يضاف أيضا إلى المتسبب ، يقال : بنى الأمير دارا ، وضرب دينارا ، وهذا وإن كان مجازا إلا أنه يجب المصير إليه لدلالة الأحاديث على بطلان هذا النكاح . المسألة الخامسة : قوله تعالى : فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ محمول في هذه الآية على انقضاء العدة ، قال الشافعي رضي اللّه عنه : دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ، ومعنى هذا الكلام أنه تعالى قال في الآية السابقة : فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولو كانت عدتها قد انقضت لما قال : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ لأن إمساكها بعد انقضاء العدة لا يجوز ، ولما قال : أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ لأنها بعد انقضاء العدة تكون مسرحة فلا حاجة إلى تسريحها ، وأما هذه الآية التي نحن فيها فاللّه تعالى نهى عن عضلهن عن التزوج بالأزواج ، وهذا النهي إنما يحسن في الوقت الذي يمكنها أن تتزوج فيه بالأزواج ، وذلك إنما يكون بعد انقضاء العدة ، فهذا هو المراد من قول الشافعي رضي اللّه عنه ، دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين . أما قوله تعالى : إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : في التراضي وجهان أحدهما : ما وافق الشرع من عقد حلال ومهر جائز وشهود عدول وثانيها : أن المراد منه ما يضاد ما ذكرناه في قوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا [ البقرة : 231 ] فيكون معنى الآية أن يرضى كل واحد منهما ما لزمه في هذا العقد لصاحبه ، حتى تحصل الصحبة الجميلة ، وتدوم الألفة . المسألة الثانية : قال بعضهم : التراضي بالمعروف ، هو مهر المثل ، وفرعوا عليه مسألة فقهية وهي أنها إذا زوجت نفسها ونقصت عن مهر مثلها نقصانا فاحشا ، فالنكاح صحيح عند أبي حنيفة ، وللولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر ، وقال أبو يوسف ومحمد : ليس للولي ذلك .