فخر الدين الرازي

371

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وسادسها : بِغَيْرِ حِسابٍ أي بغير استحقاق يقال لفلان على فلان حساب إذا كان له عليه حق ، وهذا يدل على أنه لا يستحق عليه أحد شيئا ، وليس لأحد معه حساب بل كل ما أعطاه فقد أعطاه بمجرد الفضل والإحسان ، لا بسبب الاستحقاق وسابعها : بِغَيْرِ حِسابٍ أي يزيد على قدر الكفاية ، يقال : فلان ينفق بالحساب إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية ، فأما إذا زاد عليه فإنه يقال : ينفق بغير حساب وثامنها : بِغَيْرِ حِسابٍ أي يعطي كثيرا لأن ما دخله الحساب فهو قليل . واعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة وعطايا اللّه لها منتظمة فيجوز أن يكون المراد كلها واللّه أعلم . أما إذا حملنا الآية على ما يعطي في الدنيا أصناف عباده من المؤمنين والكافرين ففيه وجوه : أحدها : وهو أليق بنظم الآية أن الكفار إنما كانوا يسخرون من فقراء المسلمين لأنهم كانوا يستدلون بحصول السعادات الدنيوية على أنهم على الحق ويحرمون فقراء المسلمين من تلك السعادات على أنهم على الباطل ، فاللّه تعالى أبطل هذه المقدمة بقوله : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ يعني أنه يعطي في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئا عن كون المعطي محقا أو مبطلا أو محسنا أو مسيئا وذلك متعلق بمحض المشيئة ، فقد وسع الدنيا على قارون ، وضيقها على أيوب عليه السلام ، فلا يجوز لكم أيها الكفار أن تستدلوا بحصول متاع الدنيا لكم وعدم حصولها لفقراء المسلمين على كونهم محقين وكونهم مبطلين ، بل الكافر قد يوسع عليه زيادة في الاستدراج ، والمؤمن قد يضيق عليه زيادة في الابتلاء والامتحان ، ولهذا قال تعالى : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا / لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ [ الزخرف : 33 ] وثانيها : أن المعنى : أن اللّه يرزق من يشاء في الدنيا من كافر ومؤمن بغير حساب يكون لأحد عليه ، ولا مطالبة ، ولا تبعة ، ولا سؤال سائل ، والمقصود منه أن لا يقول الكافر : لو كان المؤمن على الحق فلم لم يوسع عليه في الدنيا ؟ وأن لا يقول المؤمن إن كان الكافر مبطلا فلم وسع عليه في الدنيا ؟ بل الاعتراض ساقط ، والأمر أمره ، والحكم حكمه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] وثالثها : قوله : بِغَيْرِ حِسابٍ أي من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره : لم يكن هذا في حسابي ، فعلى هذا الوجه يكون معنى الآية : أن هؤلاء الكفار وإن كانوا يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم ، فاللّه تعالى قد يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب ، ولعله يفعل ذلك بالمؤمنين ، قال القفال رحمه اللّه : وقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود ، وبما فتح على رسوله صلى اللّه عليه وسلّم بعد وفاته على أيدي أصحابه حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر . فإن قيل : قد قال تعالى في صفة المتقين وما يصل إليهم عَطاءً حِساباً [ النبأ : 36 ] أليس ذلك كالمناقض لما في هذه الآية . قلنا : أما من حمل قوله : بِغَيْرِ حِسابٍ على التفضل ، وحمل قوله : عَطاءً حِساباً على المستحق بحسب الوعد على ما هو قولنا ، أو بحسب الاستحقاق على ما هو قول المعتزلة ، فالسؤال ساقط ، وأما من حمل قوله : بِغَيْرِ حِسابٍ على سائر الوجوه ، فله أن يقول : إن ذلك العطاء إذا كان يتشابه في الأوقات ويتماثل ، صح من هذا الوجه أن يوصف بكونه عطاء حسابا ، ولا ينقضه ما ذكرناه في معنى قوله : بِغَيْرِ حِسابٍ .