فخر الدين الرازي
445
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أما قوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فاعلم أنه تعالى لما منع الرجل أن يأخذ من امرأته عند الطلاق شيئا استثنى هذه الصورة وهي مسألة الخلع وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : روي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد اللّه بن أبي ، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس ، وكانت تبغضه أشد البغض ، وكان يحبها أشد الحب ، فأتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وقالت : فرق بيني وبينه فإني أبعضه ، ولقد رفعت طرف الخباء فرأيته يجيء في أقوام فكان أقصرهم قامة ، وأقبحهم وجها ، وأشدهم سوادا ، وإني أكره الكفر بعد الإسلام ، فقال ثابت : يا رسول اللّه مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها ، فقال لها : ما تقولين ؟ قالت : نعم وأزيده فقال صلى اللّه عليه وسلّم : لا حديقته فقط ، ثم قال لثابت : خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها ففعل فكان ذلك أول خلع في الإسلام ، وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حفصة بنت سهل الأنصارية . المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَخافا هو استثناء متصل أو منقطع ، وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة فقهية ، وهي أن أكثر المجتهدين قالوا : يجوز الخلع في غير حالة الخوف والغضب ، وقال الأزهري والنخعي وداود : لا يباح الخلع إلا عند الغضب ، والخوف من أن لا يقيما حدود اللّه ، فإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد وحجتهم أن هذه الآية صريحة في أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من المرأة عند طلاقها شيئا ، ثم استثنى اللّه حالة مخصوصة فقال : إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فكانت الآية صريحة في أنه لا يجوز الأخذ في غير حالة الخوف ، وأما جمهور المجتهدين فقالوا : الخلع جائز في حالة الخوف وفي غير حالة الخوف والدليل عليه قوله تعالى : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [ النساء : 4 ] فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصل لنفسها شيئا بإزاء ما بذل كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى ، وأما كلمة ( إلا ) فهي محمولة على الاستثناء المنقطع كما في قوله تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً [ النساء : 92 ] أي لكن إن كان خطأ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ [ النساء : 92 ] . المسألة الثالثة : الخوف المذكور في هذه الآية يمكن حمله على الخوف المعروف ، وهو الإشفاق مما يكره وقوعه ، ويمكن حمله على الظن ، وذلك لأن الخوف حالة نفسانية مخصوصة ، وسبب حصولها ظن أنه سيحدث مكروه في المستقبل وإطلاق اسم المعلول على العلة مجاز مشهور فلا جرم أطلق على هذا الظن اسم الخوف ، وهذا مجاز مشهور فقد يقول الرجل لغيره : قد خرج غلامك بغير إذنك ، فتقول : قد خفت ذلك على معنى ظننته وتوهمته ، وأنشد الفراء : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني في الفلاة فإنني * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها ثم الذي يؤكد هذا التأويل قوله تعالى فيما بعد هذه الآية : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [ البقرة : 230 ] . المسألة الرابعة : اعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشرط هو حصول الخوف للرجل وللمرأة ، ولا بد هاهنا من مزيد بحث ، فنقول : الأقسام الممكنة في هذا الباب أربعة لأنه إما أن يكون هذا الخوف حاصلا