فخر الدين الرازي
443
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الذي ثبت فيه للزوج حق الرجعة ، هو أن يوجد طلقتان فقط وأما بعد الطلقتين فلا يثبت البتة حق الرجعة بالألف واللام في قوله : الطلاق للمعهود السابق ، يعني ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة هو أن يوجد مرتين ، فهذا تفسير حسن مطابق لنظم الآية والذي يدل على أن هذا التفسير أولى لوجوه الأول : أن قوله : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [ البقرة : 228 ] إن كان لكل الأحوال فهو مفتقر إلى المخصص ، وإن لم يكن عاما فهو مجمل ، لأنه ليس فيه بيان الشرط الذي عنده يثبت حق الرجعة ، فيكون مفتقرا إلى البيان ، فإذا جعلنا الآية الثانية متعلقة بما قبلها كان المخصص حاصلا مع العام المخصوص ، أو كان البيان حاصلا مع المجمل ، وذلك أولى من أن لا يكون كذلك ، لأن تأخير البيان عن وقت الخطاب وإن كان جائزا إلا أن الأرجح أن لا يتأخر . الحجة الثانية : إذا جعلنا هذا الكلام مبتدأ ، كان قوله : الطَّلاقُ مَرَّتانِ يقتضي حصر كل الطلاق في المرتين وهو باطل بالإجماع ، لا يقال : إنه تعالى ذكر الطلقة الثالثة ، وهو قوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ فصار تقدير الآية : الطلاق مرتان ومرة ، لأنا نقول : إن قوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ متعلق بقوله : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ لا بقوله : الطَّلاقُ مَرَّتانِ ولأن لفظ التسريح بالإحسان لا إشعار فيه بالطلاق ، ولأنا لو جعلنا التسريح هو الطلقة الثالثة ، لكان قوله فإن طلقها طلقة رابعة وإنه غير جائز . الحجة الثالثة : ما روينا في سبب نزول هذه الآية ، إنها إنما نزلت بسبب امرأة شكت إلى عائشة رضي اللّه عنها أن زوجها يطلقها ويراجعها كثيرا بسبب المضارة ، وقد أجمعوا على أن سبب نزول الآية لا يجوز أن يكون خارجا عن عموم الآية ، فكان تنزيل هذه الآية على هذا المعنى أولى من تنزيلها على حكم آخر أجنبي عنه . أما قوله تعالى : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ففيه مسائل : المسألة الأولى : الإمساك خلاف الإطلاق والمساك والمسكة اسمان منه ، يقال : إنه لذو مسكة ومساكة إذا كان بخيلا قال الفراء : يقال إنه ليس بمساك غلمانه ، وفيه مساكة من جبر ، أي قوة ، وأما التسريح فهو الإرسال ، وتسريح الشعر تخليصك بعضه من بعض ، وسرح الماشية إذا أرسلها ترعى . المسألة الثانية : تقدير الآية ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة للزوج ، هو أن يوجد مرتان ، ثم الواجب بعد هاتين المرتين إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة ، بل على قصد الإصلاح والإنفاع ، وفي معنى الآية وجهان أحدهما : أن توقع عليها الطلقة الثالثة ، روي أنه لما نزل قوله تعالى : الطَّلاقُ مَرَّتانِ قيل له صلى اللّه عليه وسلّم : فأين الثالثة ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلّم : هو قوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ والثاني : أن معناه أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة ، وهو مروي عن الضحاك والسدي . واعلم أن هذا الوجه هو الأقرب لوجوه أحدها : أن الفاء في قوله : فَإِنْ طَلَّقَها [ البقرة : 230 ] تقتضي وقوع الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح ، فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة ، لكان قوله : فإن طلقها طلقة رابعة وأنه لا يجوز وثانيها : أنا لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأحوال ، لأنه بعد الطلقة الثانية ، إما أن يراجعها وهو المراد بقوله : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة وهو المراد بقوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أو يطلقها وهو المراد بقوله : فَإِنْ طَلَّقَها