فخر الدين الرازي
436
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بانقضاء عدتها ، ثم قال إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء ، أو يمضي عليها وقت صلاة ، حجة الشافعي من وجوه : الحجة الأولى : قوله تعالى : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطلاق : 1 ] ومعناه في وقت عدتهن ، لكن الطلاق في زمان الحيض منهي عنه فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض ، أجاب صاحب « الكشاف » عنه فقال بمعنى مستقبلات لعدتهن ، كما يقول لثلاث بقين من الشهر ، يريد مستقبلا لثلاث ، وأقول هذا الكلام يقوي استدلال الشافعي رضي اللّه عنه لأن قول القائل لثلاث بقين من الشهر معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه ، فكذا هاهنا قوله : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ معناه طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه ، ولما كان الأمر حاصلا بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن / يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة ، وذلك هو المطلوب . الحجة الثانية : ما روي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : هل تدرون الأقراء ؟ الأقراء الأطهار ، ثم قال الشافعي رضي اللّه عنه : والنساء بهذا أعلم ، لأن هذا إنما يبتلي به النساء . الحجة الثالثة : القرء عبارة عن الجمع ، يقال : ما قرأت الناقة نسلا قط ، أي ما جمعت في رحمها ولدا قط ومنه قول عمرو بن كلثوم : هجان اللون لم تقرأ جنينا وقال الأخفش يقال : ما قرأت حيضة ، أي ما ضمت رحمها على حيضة ، وسمي الحوض مقرأة لأنه يجتمع فيه الماء ، وأقرأت النجوم إذا اجتمعت للغروب ، وسمي القرآن قرآنا لاجتماع حروفه وكلماته ولاجتماع العلوم الكثيرة فيه ، وقرأ القارئ أي جمع الحروف بعضها إلى بعض . إذا ثبت هذا فنقول : وقت اجتماع الدم إنما هو زمان الطهر لأن الدم يجتمع في ذلك الزمان في البدن . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : بل زمان الحيض أولى بهذا الاسم ، لأن الدم يجتمع في هذا الزمان في الرحم . قلنا : الدماء لا تجتمع في الرحم البتة بل تنفصل قطرة قطرة أما وقت الطهر فالكل مجتمع في البدن فكان معنى الاجتماع في وقت الطهر أتم ، وتمام التقرير فيه أن اسم القرء لما دل على الاجتماع فأكثر أحوال الرحم اجتماعا واشتمالا في الدم آخر الطهر ، إذ لو لم تمتلئ بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج ، فمن أولى الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره ، والآخر هو حال كمال الاجتماع فكان آخر الطهر هو القرء في الحقيقة وهذا كلام بين . الحجة الرابعة : أن الأصل أن لا يكون لأحد على أحد من العقلاء المكلفين حق الحبس والمنع من التصرفات تركنا العمل به عند قيام الدليل عليه ، وهو أقل ما يسمى بالأقراء الثلاثة وهي الأطهار ، لأن الاعتداد بالأطهار أقل زمانا من الاعتداد بالحيض ، فلما كان كذلك أثبتنا الأقل ضرورة العمل بهذه الآية وطرحنا الأكثر وفاء بالدلائل الدالة على أن الأصل أن لا يكون لأحد على غيره قدرة الحبس والمنع . الحجة الخامسة : أن ظاهر قوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء أن تخرج عن العهدة ،