فخر الدين الرازي

422

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وجب أن يأتيها في ذلك الموضع الذي أمر اللّه تعالى به ثم هذا غير محمول على الدبر ، لأن ذلك بالإجماع غير واجب فتعين أن يكون محمولا على القبل ، وذلك هو المطلوب . الحجة الثالثة : روى خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي صلى اللّه عليه وسلّم عن إتيان النساء في أدبارهن ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : حلال ، فلما ولى الرجل دعاه فقال : كيف قلت في أي الخربتين ، أو في أي الخرزتين ، أو في أي الخصفتين ، أو من قبلها في قبلها فنعم ، أمن دبرها في قبلها فنعم ، أمن دبرها في دبرها فلا ، إن اللّه لا يستحي من الحق : « لا تؤتوا النساء في أدبارهن » وأراد بخربتها مسلكها ، وأصل الخربة عروة المزادة شبه الثقب بها ، والخرزة هي التي يثقبها الخراز ، كنى به عن المأتي ، وكذلك الخصفة من قولهم : خصفت الجلد إذا خرزته ، حجة من قال بالجواز وجوه : الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية من وجهين الأول : أنه تعالى جعل الحرث اسما للمرأة فقال : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فهذا يدل على أن الحرث اسم للمرأة لا للموضع المعين ، فلما قال بعده : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ كان المراد فاتوا نساءكم أنى شئتم فيكون هذا إطلاقا في إتيانهن على جميع الوجوه ، فيدخل فيه محل النزاع . الوجه الثاني : أن كلمة « أنى » معناها أين ، قال اللّه تعالى : أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ آل عمران : 37 ] والتقدير : من أين لك هذا فصار تقدير الآية : فاتوا حرثكم أين شئتم وكلمة : أين شئتم ، تدل على تعدد الأمكنة : اجلس أين شئت ويكون هذا تخييرا بين الأمكنة . إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه لا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها في قبلها ، أو من دبرها في قبلها لأن على هذا التقدير المكان واحد ، والتعداد إنما وقع في طريق الإتيان ، واللفظ اللائق به أن يقال : اذهبوا إليه كيف شئتم فلما لم يكن المذكور هاهنا لفظة : كيف ، بل لفظة « أنى » ويثبت أن لفظة « أنى » مشعرة بالتخيير بين الأمكنة ، ثبت أنه ليس المراد ما ذكرتم بل ما ذكرناه . الحجة الثانية : لهم : التمسك بعموم قوله تعالى : إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ * [ المؤمنون : 6 ] ترك العمل به في حق الذكور لدلالة الإجماع ، فوجب أن يبقى معمولا به في حق النسوان . الحجة الثالثة : توافقنا على أنه لو قال للمرأة : دبرك عليّ حرام ونوى الطلاق أنه يكون طلاقا ، وهذا يقتضي كون دبرها حلالا له ، هذا مجموع كلام القوم في هذا الباب . أجاب الأولون فقالوا : الذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية إتيان النساء في غير المأتي وجوه الأول : أن الحرث اسم لموضع الحراثة ، ومعلوم أن المراد بجميع أجزائها ليست موضعا للحراثة ، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة ، ويقتضي هذا الدليل أن لا يطلق لفظ الحرث على ذات المرأة إلا أنا تركنا العمل بهذا الدليل في قوله : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ لأن اللّه تعالى صرح هاهنا بإطلاق لفظ الحرث على ذات المرأة ، فحملنا ذلك على المجاز المشهور من تسمية كل الشيء باسم جزئه ، وهذه الصورة مفقودة في قوله : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ فوجب حمل الحرث هاهنا على / موضع الحراثة على التعيين ، فثبت أن الآية لا دلالة فيها إلا على إتيان النساء في المأتي .