فخر الدين الرازي

419

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ويمكن أيضا حملها على فائدة جليلة جديدة وهي أن يكون قوله : فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ نهيا عن المباشرة في موضع الدم وقوله : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ يكون نهيا عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، ويعقوب الحضرمي ، وأبو بكر عن عاصم ( حتى يطهرن ) خفيفة من الطهارة ، وقرأ حمزة والكسائي يَطْهُرْنَ بالتشديد ، وكذلك حفص عن عاصم ، فمن خفف فهو زوال الدم لأن يطهرن من طهرت امرأة من حيضها ، وذلك إذا انقطع الحيض ، فالمعنى : لا تقربون حتى يزول عنهن الدم ، ومن قرأ : يَطْهُرْنَ بالتشديد فهو على معنى يتطهرن فأدغم كقوله : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [ المزمل : 1 ] ، و يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [ المدثر : 1 ] أي المتزمل والمتدثر وباللّه التوفيق . المسألة الثانية : أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض ، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري ، والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها ، وإن رأته لعشرة أيام جاز أن يقربها قبل الاغتسال ، حجة الشافعي من وجهين . الحجة الأولى : أن القراءة المتواترة ، حجة بالإجماع ، فإذا حصلت قراءتان متواترتان وأمكن الجمع بينهما ، وجب الجمع بينهما . إذا ثبت هذا فنقول : قرئ حَتَّى يَطْهُرْنَ بالتخفيف وبالتثقيل ويطهرن بالتخفيف عبارة عن انقطاع الدم ، وبالتثقيل عبارة عن التطهر بالماء والجمع بين الأمرين ممكن ، وجب دلالة هذه الآية على وجوب الأمرين ، وإذا كان وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة إلا عند حصول الأمرين . الحجة الثانية : أن قوله تعالى : فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ علق الإتيان على التطهر بكلمة إذا وكلمة إذا للشرط في اللغة ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط ، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر ، حجة أبي حنيفة رحمه اللّه قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ نهي عن قربانهن وجعل غاية ذلك النهي أن يطهرن بمعنى ينقطع حيضهن ، وإذا كان انقطاع الحيض غاية لهذا النهي وجب أن لا يبقى هذا النهي عند انقطاع الحيض ، أجاب القاضي عنه بأنه لو اقتصر على قوله : حَتَّى يَطْهُرْنَ لكان ما ذكرتم لازما ، أما لما ضم إليه قوله : فَإِذا تَطَهَّرْنَ صار المجموع هو الغاية وذلك بمنزلة أن يقول الرجل : لا تكلم فلانا حتى يدخل الدار فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلمه ، فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامه بالأمرين جميعا ، وإذا ثبت أنه لا بد بعد انقطاع الحيض من التطهر فقد اختلفوا في ذلك التطهر فقال الشافعي وأكثر الفقهاء : هو الاغتسال وقال بعضهم : هو غسل الموضع ، وقال عطاء وطاوس : هو أن تغسل الموضع وتتوضأ ، والصحيح هو الأول لوجهين الأول : أن ظاهر قوله : فَإِذا تَطَهَّرْنَ حكم عائد إلى ذات المرأة ، فوجب أن يحصل هذا التطهر في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها والثاني : أن حمله على التطهر الذي يختص الحيض بوجوبه أولى من التطهر الذي يثبت في الاستحاضة كثبوته في الحيض ، فهذا يوجب أن المراد به الاغتسال وإذا أمكن بوجود