فخر الدين الرازي
416
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
في هذا الباب ، وهو قاعدة طيبة ، وبتقريرها يتلخص ظاهر القرآن من الطعن واللّه أعلم بمراده . المسألة الرابعة : اعلم أن دم الحيض موصوف بصفات حقيقية ويتفرع عليه أحكام شرعية ، أما الصفات الحقيقية فأمران أحدهما : المنبع ودم الحيض دم يخرج من الرحم ، قال تعالى : وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ [ البقرة : 228 ] قيل في تفسيره : المراد منه الحيض والحمل ، وأما دم الاستحاضة ، فإنه لا يخرج من الرحم ، لكن من عروق تنقطع في فم الرحم ، قال عليه السلام في صفة دم الاستحاضة : « إنه دم عرق انفجر » وهذا الكلام يؤيد ما ذكرنا في دفع للنقض / عن تعليل القرآن . والنوع الثاني : من صفات دم الحيض : الصفات التي وصف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم دم الحيض بها أحدها : أنه أسود والثاني : أنه ثخين والثالث : أنه محتدم وهو المحترق من شدة حرارته الرابعة : أنه يخرج برفق ولا يسيل سيلانا والخامسة : أن له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء وذلك لأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة السادسة : أنه بحراني ، وهو شديد الحمرة وقيل : ما تحصل فيه كدورة تشبيها له بماء البحر ، فهذه الصفات هي الصفات الحقيقية . ثم من الناس من قال : دم الحيض يتميز عن دم الاستحاضة فكل دم كان موصوفا بهذه الصفات فهو دم الحيض ، وما لا يكون كذلك لا يكون دم حيض ، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف وزوالها إنما يكون لعارض الحيض ، فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف التي كانت واجبة على ما كان ، ومن الناس من قال : هذه الصفات قد تشتبه على المكلف ، فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الدماء وفي الصفات يقتضي عسرا ومشقة ، فالشارع قدر وقتا مضبوطا متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض كيف كانت تلك الدماء ، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء ، والمقصود من هذا إسقاط العسر والمشقة عن المكلف ، ثم إن الأحكام الشرعية للحيض هي المنع من الصلاة والصوم واجتناب دخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن ، وتصير المرأة به بالغة ، والحكم الثابت للحيض بنص القرآن إنما هو حظر الجماع على ما بينا كيفية دلالة الآية عليه . المسألة الخامسة : اختلف الناس في مدة الحيض فقال الشافعي رحمه اللّه تعالى : أقلها يوم وليلة ، وأكثرها خمسة عشر يوما ، وهذا قول علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي وأحمد وإسحاق رضي اللّه عنهم ، وقال أبو حنيفة والثوري : أقله ثلاثة أيام ولياليهن فإن نقص عنه فهو دم فاسد ، وأكثره عشرة أيام ، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : وقد كان أبو حنيفة يقول بقول عطاء : إن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما ، ثم تركه وقال مالك لا تقدير لذلك في القلة والكثرة ، فإن وجد ساعة فهو حيض ، وإن وجد أياما فكذلك ، واحتج أبو بكر الرازي في أحكام القرآن على فساد قول مالك فقال : لو كان المقدار ساقطا في القليل والكثير لوجب أن يكون الحيض هو الدم الموجود من المرأة فكان يلزم أن لا يوجد في الدنيا مستحاضة ، لأن كل ذلك الدم يكون حيضا على هذا المذهب وذلك باطل بإجماع الأمة ، ولأنه روي أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت للنبي صلى اللّه عليه وسلّم إني أستحاض فلا أطهر ، وأيضا روي أن حمنة استحيضت سبع سنين ولم يقل النبي صلى اللّه عليه وسلّم لهما إن جميع ذلك حيض ، بل أخبرهما أن منه ما هو حيض ومنه ما هو استحاضة ، فبطل هذا القول واللّه أعلم . واعلم أن هذه الحجة ضعيفة لأن لقائل أن يقول : إنما يميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بالصفات