فخر الدين الرازي

414

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وحرم بعضها ، قال : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ لأن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة . أما قوله : بِإِذْنِهِ فالمعنى بتيسير اللّه وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة ، ونظيره قوله : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ يونس : 100 ] وقوله : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 145 ] وقوله : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 102 ] وقرأ الحسن وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ بالرفع أي والمغفرة حاصلة بتيسيره . أما قوله تعالى : وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فمعناه ظاهر . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 222 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 ) الحكم السابع في المحيض في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى جمع في هذا الموضع ستة من الأسئلة ، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو ، وذكر الثلاثة الأخيرة بالواو ، والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت فيها بحرف العطف لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ ، / وسألوا عن المسائل الثلاثة الأخيرة في وقت واحد ، فجيء بحرف الجمع لذلك ، كأنه قيل : يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر ، والسؤال عن كذا ، والسؤال عن كذا . المسألة الثانية : روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها ، والنصارى كانوا يجامعونهن ، ولا يبالون بالحيض ، وأن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ، ولم يشاربوها ، ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس فلما نزلت هذه الآية أخذ المسلمون بظاهر الآية فأخرجوهن من بيوتهن فقال ناس من الأعراب : يا رسول اللّه البرد شديد ، والثياب قليلة ، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت ، وإن استأثرناها هلكت الحيض ، فقال عليه الصلاة والسلام : إنما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ، ولم آمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم ، فلما سمع اليهود ذلك قالوا : هذا الرجل يريد أن لا يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه ، ثم جاء عباد بن بشير ، وأسيد بن حضير إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فأخبراه بذلك وقالا : يا رسول اللّه أفلا ننكحهن في المحيض ؟ فتغير وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حتى ظننا أنه غضب عليها فقاما ، فجاءته هدية من لبن ، فأرسل النبي صلى اللّه عليه وسلّم إليهما فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما . المسألة الثالثة : أصل الحيض في اللغة السيل يقال : حاض السيل وفاض ، قال الأزهري : ومنه قيل للحوض حوض ، لأن الماء يحيض إليه أي يسيل إليه ، والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو لأنهما من جنس واحد .