فخر الدين الرازي
411
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الظاهر ، فوجب المصير إليه ، ثم قالوا : وفي الآية ما يدل على تأكيد ما ذكرناه وذلك لأنه تعالى قال في آخر الآية : أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ والوصف إذا ذكر عقيب الحكم ، وكان الوصف مناسبا للحكم فالظاهر أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم فكأنه تعالى قال : حرمت عليكم نكاح المشركات لأنهن يدعون إلى النار وهذه العلة قائمة في الكتابية ، فوجب القطع بكونها محرمة . والحجة الثانية : لهم : أن ابن عمر سئل عن هذه المسألة فتلا آية التحريم وآية التحليل ، ووجه الاستدلال أن الأصل في الأبضاع الحرمة ، فلما تعارض دليل الحرمة تساقطا ، فوجب بقاء / حكم الأصل ، وبهذا الطريق لما سئل عثمان عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين ، فقال : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، فحكمتم عند ذلك بالتحريم للسبب الذي ذكرناه فكذا هاهنا . الحجة الثالثة : لهم : حكى محمد بن جرير الطبري في « تفسيره » عن ابن عباس تحريم أصناف النساء إلا المؤمنات ، واحتج بقوله تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [ المائدة : 5 ] وإذا كان كذلك كانت كالمرتدة في أنه لا يجوز إيراد العقد عليها . الحجة الرابعة : التمسك بأثر عمر : حكي أن طلحة نكح يهودية ، وحذيفة نصرانية ، فغضب عمر رضي اللّه عنه عليهما غضبا شديدا ، فقالا : نحن نطلق يا أمير المؤمنين فلا تغضب ، فقال : إن حل طلاقهن فقد حل نكاحهن ، ولكن أنتزعهن منكم . أجاب الأولون عن الحجة الأولى بأن من قال : اليهودي والنصراني لا يدخل تحت اسم المشرك فالإشكال عنه ساقط ، ومن سلم ذلك قال : إن قوله تعالى : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ المائدة : 5 ] أخص من هذه الآية ، فإن صحت الرواية أن هذه الحرمة ثبتت ثم زالت جعلنا قوله : وَالْمُحْصَناتُ ناسخا ، وإن لم تثبت جعلناه مخصصا ، أقصى ما في الباب أن النسخ والتخصيص خلاف الأصل ، إلا أنه لما كان لا سبيل إلا التوفيق بين الآيتين إلا بهذا الطريق وجب المصير إليه ، أما قوله ثانيا أن تحريم نكاح الوثنية إنما كان لأنها تدعو إلى النار ، وهذا المعنى قائم في الكتابية ، قلنا : الفرق بينهما أن المشركة متظاهرة بالمخالفة والمناصبة ، فلعل الزوج يحبها ، ثم إنها تحمله على المقاتلة مع المسلمين ، وهذا المعنى غير موجود في الذمية ، لأنها مقهورة راضية بالذلة والمسكنة ، فلا يفضي حصول ذلك النكاح إلى المقاتلة ، أما قوله ثالثا إن آية التحريم والتحليل قد تعارضتا ، فنقول : لكن آية التحليل خاصة ومتأخرة بالإجماع ، فوجب أن تكون متقدمة على آية التحريم وهذا بخلاف الآيتين في الجمع بين الأختين في ملك اليمين ، لأن كل واحدة من تينك الآيتين أخص من الأخرى من وجه وأعم من وجه آخر ، فلم يحصل سبب الترجيح فيه . أما قوله هاهنا : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ المائدة : 5 ] أخص من قوله : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ مطلقا ، فوجب حصول الترجيح . وأما التمسك بقوله تعالى : فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [ المائدة : 5 ] . فجوابه : أنا لما فرقنا بين الكتابية وبين المرتدة في أحكام كثيرة ، فلم لا يجوز الفرق بينهما أيضا في هذا الحكم ؟ .