فخر الدين الرازي

366

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الاستئناف وصلة إلى إسقاط الهمزة المبتدأة وهي مستقلة وليس كذلك في الاتصال والكسائي اتبع المصحف ، لأن الألف ساقطة فيها أجمع . المسألة الرابعة : قوله : مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ فيه قولان أحدها : المراد به معجزات موسى عليه السلام ، نحو فلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، ونتق الجبل ، وتكليم اللّه تعالى لموسى عليه السلام من السحاب ، وإنزال التوراة عليهم ، وتبيين الهدى من الكفر لهم ، فكل ذلك آيات بينات . والقول الثاني : أن المعنى ، كم آتيناهم من حجة بينة لمحمد عليه الصلاة والسلام ، يعلم بها صدقه وصحة شريعته . أما قوله تعالى : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرئ وَمَنْ يُبَدِّلْ بالتخفيف . المسألة الثانية : قال أبو مسلم : في الآية حذف ، والتقدير : كم آتيناهم من آية بينة وكفروا بها لكن لا يدل على هذا الإضمار قوله : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ . المسألة الثالثة : في نعمة اللّه هاهنا قولان أحدهما : أن المراد آياته ودلائله وهي من أجل أقسام نعم اللّه لأنها أسباب الهدي والنجاة من الضلالة ، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان فمن قال المراد بالآية البينة معجزات موسى عليه السلام ، قال : المراد بتبديلها أن اللّه تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله : فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 125 ] ومن قال : المراد بالآية البينة ما في التوراة والإنجيل من دلائل نبوة محمد عليه السلام ، قال : المراد من تبديلها تحريفها وإدخال الشبهة فيها . والقول الثاني : المراد بنعمة اللّه ما آتاهم اللّه من أسباب الصحة والأمن والكفاية واللّه تعالى / هو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا ، ولكن أضاف التبديل إليهم لأنه سبب من جهتهم وهو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل بتلك الآيات البينات . أما قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فإن فسرنا النعمة بإيتاء الآيات والدلائل كان المراد من قوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ أي من بعد ما تمكن من معرفتها ، أو من بعد ما عرفها كقوله تعالى : ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ البقرة : 75 ] لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها ، فكأنها غائبة عنه ، وإن فسرنا النعمة بما يتعلق بالدنيا من الصحة والأمن والكفاية ، فلا شك أن عند حصول هذه الأسباب يكون الشكر أوجب فكان الكفر أقبح ، فلهذا قال : فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ قال الواحدي رحمه اللّه تعالى : وفيه إضمار ، والمعنى شديد العقاب له ، وأقول : بين عبد القاهر النحوي في كتاب « دلائل الإعجاز » أن ترك هذا الإضمار أولى ، وذلك لأن المقصود من الآية التخويف بكونه في ذاته موصوفا بأنه شديد العقاب ، من غير التفات إلى كونه شديد العقاب لهذا أو لذلك ، ثم قال الواحدي رحمه اللّه : والعقاب عذاب يعقب الجرم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 212 ] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 )