فخر الدين الرازي

401

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عقلا لأنه يجري مجرى عقال الناقة ، فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح ، كان عقله مانعا له من الإقدام عليه ، فإذا شرب الخمر بقي الطبع الداعي إلى فعل القبائح خاليا عن العقل المانع منها ، والتقريب بعد ذلك معلوم ، ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ ، ويقول : الحمد للّه الذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا ، وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية : لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جراءتك ؟ فقال ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي ، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم وثانيها : ما ذكره اللّه تعالى من إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة وثالثها : أن هذه المعصية من خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر ، ومواظبته عليها أتم كان الميل إليها أكثر وقوة النفس عليها أقوى بخلاف سائر المعاصي ، مثل الزاني إذا فعل مرة واحدة فترت رغبته في ذلك العمل ، وكلما كان فعله لذلك العمل أكثر كان فتوره أكثر ونفرته أتم ، بخلاف الشرب ، فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر ، كان نشاطه أكثر ، ورغبته فيه أتم . فإذا واظب الإنسان عليه صار الإنسان غرقا في اللذات البدنية ، معرضا عن تذكر الآخرة والمعاد ، حتى يصير من الذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم ، وبالجملة فالخمر يزيل العقل ، وإذا زال العقل / حصلت القبائح بأسرها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « الخمر أم الخبائث » وأما الميسر فالإثم فيه أنه يفضي إلى العداوة ، وأيضا لما يجري بينهم من الشتم والمنازعة وأنه أكل مال بالباطل وذلك أيضا يورث العداوة ، لأن صاحبه إذا أخذ ماله مجانا أبغضه جدا ، وهو أيضا يشغل عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، وأما المنافع المذكورة في قوله تعالى : وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فمنافع الخمر أنهم كانوا يتغالون بها إذا جلبوها من النواحي ، وكان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن كانوا يعدون ذلك فضيلة ومكرمة ، فكان تكثر أرباحهم بذلك السبب ، ومنها أنه يقوي الضعيف ويهضم الطعام ويعين على الباه ، ويسلي المحزون ، ويشجع الجبان ، ويسخي البخيل ويصفي اللون ، وينعش الحرارة الغريزية ويزيد في الهمة والاستعلاء « 1 » ومن منافع الميسر : التوسعة على ذوي الحاجة لأن من قمر لم يأكل من الجزور ، وإنما كان يفرقه في المحتاجين وذكر الواقدي أن الواحد منهم كان ربما قمر في المجلس الواحد مائة بعير ، فيحصل له مال من غير كد وتعب ، ثم يصرفه إلى المحتاجين ، فيكتسب منه المدح والثناء . المسألة السادسة : قرأ حمزة والكسائي كثير بالثاء المنقوطة من فوق والباقون بالباء المنقوطة من تحت حجة حمزة والكسائي ، أن اللّه وصف أنواعا كثيرة من الإثم في الخمر والميسر وهو قوله : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [ المائدة : 91 ] فذكر أعدادا من الذنوب فيهما ولأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لعن عشرة بسبب الخمر ، وذلك يدل على كثرة الإثم فيهما ، ولأن الإثم في هذه الآية كالمضاد

--> ( 1 ) قول الفخر رحمه اللّه تعالى في شرب الخمر : أنه يقوي الضعيف ، ويهضم الطعام ، ويعين على الباه ، ويسلي المحزون ويشجع الجبان ، ويسخي البخيل ، ويصفي اللون ، وينعش الحرارة الغريزية ، ويزيد في الهمة والاستعلاء ، هو قول عجيب لا يصدر من لبيب ولو كان فيها من المزايا بعض ما ذكر : لما منعنا اللّه تعالى عنها ، وأحرمنا منها ، ولم ينهنا تعالى إلا عما فيه فساد الدين والبدن ، فله الحمد على أمره ونهيه ، وتحريمه وتحليله ! . والخمر : كما يشهد بذلك العقل والطب ، تضعف القوى ، وتعسر الهضم ، وتتلف المعدة ، وتضعف الباه ، وإن دل ظاهرها على إذهاب الحزن ، فهي جالبة للهم والغم والكدر ، وتورث الشجاع الجبن والخور ، وتحض الكريم على البخل ، وتفسد الدم وتكدر اللون وتظهر غضون الوجه ، وهي في جملتها مبعث لسائر الشرور والفجور والخصال الذميمة . أما تأويل قوله تعالى : وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فهو خاص بالمنافع الدنيوية الفانية والربح التجاري الزائل . انتهى مصححه .