فخر الدين الرازي
399
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والجواب عن الأول : أن قوله تعالى : تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً نكرة في الإثبات ، فلم قلتم : إن ذلك السكر والرزق الحسن هو هذا النبيذ ؟ ثم أجمع المفسرون على أن تلك الآية كانت نازلة قبل هذه الآيات الثلاث الدالة على تحريم الخمر ، فكانت هذه الثلاثة إما ناسخة ، أو مخصصة لها . وأما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماء نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير طعم الماء قليلا إلى الحموضة ، وطبعه عليه السلام كان في غاية اللطافة ، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم ، فلذلك قطب وجهه ، وأيضا كان المراد بصب الماء فيه إزالة ذلك القذر من الحموضة أو الرائحة ، وبالجملة فكل عاقل يعلم أن الإعراض عن تلك الدلائل التي ذكرناها بهذا القدر من الاستدلال الضعيف غير جائز . وأما آثار الصحابة فهي متدافعة متعارضة ، فوجب تركها والرجوع إلى ظاهر كتاب اللّه وسنة الرسول عليه السلام ، فهذا هو الكلام في حقيقة الخمر . المقام الثاني : في بيان أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر وبيانه من وجوه الأول : أن الآية دالة على أن الخمر مشتملة على الإثم ، والإثم حرام لقوله تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ [ الأعراف : 33 ] فكان مجموع هاتين الآيتين دليلا على تحريم الخمر الثاني : أن الإثم قد يراد به العقاب ، وقد يراد به ما يستحق به العقاب من الذنوب ، وأيهما كان فلا يصح أن يوصف به إلا المحرم الثالث : أنه تعالى قال : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما صرح برجحان الإثم والعقاب ، وذلك يوجب التحريم . فإن قيل : الآية لا تدل على أن شرب الخمر إثم ، بل تدل على أن فيه إثما ، فهب أن ذلك الإثم حرام فلم قلتم : إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم وجب أن يكون حراما ؟ . قلنا : لأن السؤال كان واقعا عن مطلق الخمر ، فلما بين تعالى أن فيه إثما ، كان المراد أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات ، فكان شرب الخمر مستلزما لهذه الملازمة المحرمة ، ومستلزم المحرم محرم ، فوجب أن يكون الشرب محرما ، ومنهم من قال : هذه الآية لا تدل على حرمة الخمر ، واحتج عليه بوجوه أحدها : أنه تعالى أثبت فيها منافع للناس ، والمحرم لا يكون فيه منفعة والثاني : / لو دلت هذه الآية على حرمتها فلم لم يقنعوا بها حتى نزلت آية المائدة وآية تحريم الصلاة ؟ الثالث : أنه تعالى أخبر أن فيهما إثما كبيرا فمقتضاه أن ذلك الإثم الكبير يكون حاصلا ما داما موجودين ، فلو كان ذلك الإثم الكبير سببا لحرمتها لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع . والجواب عن الأول : أن حصول النفع العاجل فيه في الدنيا لا يمنع كونه محرما ، ومتى كان كذلك لم يكن حصول النفع فيهما مانعا من حرمتهما لأن صدق الخاص يوجب صدق العام . والجواب عن الثاني : أنا روينا عن ابن عباس أنها نزلت في تحريم الخمر ، والتوقف الذي ذكرته غير مروى عنهم ، وقد يجوز أن يطلب الكبار من الصحابة نزول ما هو آكد من هذه الآية في التحريم ، كما التمس إبراهيم صلوات اللّه عليه مشاهدة إحياء الموتى ليزداد سكونا وطمأنينة . والجواب عن الثالث : أن قوله : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ إخبار عن الحال لا عن الماضي ، وعندنا أن اللّه تعالى