فخر الدين الرازي
397
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ما كان في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجرة ، فحكمها حكم هذه الخمسة ، كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها . الحجة الثالثة : روى أبو داود أيضا عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام » قال الخطابي : قوله عليه السلام « كل مسكر خمر » دل على / وجهين أحدهما : أن الخمر اسم لكل ما وجد منه السكر من الأشربة كلها ، والمقصود منه أن الآية لما دلت على تحريم الخمر ، وكان مسمى الخمر مجهولا للقوم حسن من الشارع أن يقال : مراد اللّه تعالى من هذه اللفظة هذا إما على سبيل أن هذا هو مسماه في اللغة العربية ، أو على سبيل أن يضع اسما شرعيا على سبيل الأحداث كما في الصلاة والصوم وغيرهما . والوجه الآخر : أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة ، وذلك لأن قوله هذا خمر فحقيقة هذا اللفظ يفيد كونه في نفسه خمرا فإن قام دليل على أن ذلك ممتنع وجب حمله مجازا على المشابهة في الحكم ، الذي هو خاصية ذلك الشيء . الحجة الرابعة : روى أبو داود عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن البتع ، فقال : « كل شراب أسكر فهو حرام » قال الخطابي : البتع شراب يتخذ من العسل ، وفيه إبطال كل تأويل يذكره أصحاب تحليل الأنبذة ، وإفساد لقول من قال : إن القليل من المسكر مباح ، لأنه عليه السلام سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس ، فيدخل فيه القليل والكثير منها ، ولو كان هناك تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله . الحجة الخامسة : روى أبو داود عن جابر بن عبد اللّه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « ما أسكر كثيره فقليله حرام » . الحجة السادسة : روي أيضا عن القاسم عن عائشة ، قالت : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقول : « كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام » قال الخطابي : « الفرق » مكيال يسع ستة عشر رطلا ، وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب . الحجة السابعة : روى أبو داود عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة ، قالت : نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن كل مسكر ومفتر ، قال الخطابي : المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء ، وهذا لا شك أنه متناول لجميع أنواع الأشربة ، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر فهو خمر ، وهو حرام . النوع الثاني : من الدلائل على أن كل مسكر خمر التمسك بالاشتقاقات ، قال أهل اللغة : أصل هذا الحرف التغطية ، سمي الخمار خمارا لأنه يغطي رأس المرأة ، والخمر ما واراك من شجر وغيره ، من وهدة وأكمة ، وخمرت رأس الإناء أي غطيته ، والخامر هو الذي يكتم شهادته ، قال ابن الأنباري : سميت خمرا لأنها تخامر العقل ، أي تخالطه ، يقال : خامره الداء إذا خالطه ، وأنشد لكثير : هنيئا مريئا غير داء مخامر ويقال خامر السقام كبده ، وهذا الذي ذكره راجع إلى الأول ، لأن الشيء إذا خالط الشيء صار بمنزلة