فخر الدين الرازي
391
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أما قوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ فقد ذكروا في الفتنة قولين أحدهما : هي الكفر وهذا القول عليه أكثر المفسرين ، وهو عندي ضعيف ، لأن على قول الزجاج قد تقدم ذكر ذلك ، فإنه تعالى قال : وَكُفْرٌ بِهِ . . . أَكْبَرُ فحمل الفتنة على الكفر يكون تكرارا ، بل هذا التأويل يستقيم على قول الفراء . والقول الثاني : أن الفتنة هي ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم ، تارة بإلقاء الشبهات في قلوبهم ، وتارة بالتعذيب ، كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ياسر ، وهذا قول محمد بن إسحاق وقد ذكرنا أن الفتنة عبارة عن الامتحان ، يقال فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها لتزيل الغش عنه ، ومنه قوله تعالى : أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ * [ التغابن : 15 ] أي امتحان لكم لأنه إذا لزمه إنفاق المال في سبيل اللّه تفكر في ولده ، فصار ذلك مانعا له عن الإنفاق ، وقال تعالى : ألم * أَ حَسِبَ / النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [ العنكبوت : 1 ، 2 ] أي لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء ، وقال : وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [ طه : 40 ] وإنما هو الامتحان بالبلوى ، وقال : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ [ العنكبوت : 10 ] والمراد به المحنة التي تصيبه من جهة الدين من الكفار وقال : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [ البروج : 10 ] والمراد أنهم آذوهم وعرضوهم على العذاب ليمتحنوا ثباتهم على دينهم ، وقال : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ النساء : 101 ] وقال : ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 162 ، 163 ] وقال : فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ [ آل عمران : 7 ] أي المحنة في الدين وقال : وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [ المائدة : 49 ] وقال : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [ الممتحنة : 5 ] وقال : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ يونس : 85 ] والمعنى أن يفتنوا بها عن دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر والظلم وقال : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [ القلم : 5 ، 6 ] قيل : المفتون المجنون ، والجنون فتنة ، إذ هو محنة وعدول عن سبيل أهل السلامة في العقول . فثبت بهذه الآيات أن الفتنة هي الامتحان ، وإنما قلنا : إن الفتنة أكبر من القتل لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا ، وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة ، فصح أن الفتنة أكبر من القتل فضلا عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي . روي أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد اللّه بن جحش صاحب هذه السرية إلى مؤمني مكة : إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من مكة ، ومنع المؤمنين عن البيت الحرام قال : وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا والمعنى ظاهر ، ونظيره قوله تعالى : وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [ البقرة : 120 ] . وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما زال يفعل كذا ، ولا يزال يفعل كذا ، قال الواحدي : هذا فعل لا مصدر له ، ولا يقال منه : فاعل ولا مفعول ، ومثاله في الأفعال كثير نحو عسى ليس له مصدر ولا مضارع وكذلك : ذو ، وما فتئ ، وهلم ، وهاك ، وهات ، وتعال ، ومعنى : لا يَزالُونَ أي يدومون على ذلك الفعل لأن الزوال يفيد النفي