فخر الدين الرازي
389
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عنها في الشهر الحرام ، فكيف تعيبون عبد اللّه بن جحش على ذلك القتال مع أن له فيه عذرا ظاهرا ، فإنه كان يجوز أن يكون ذلك القتل واقعا في جمادى الآخرة ، ونظيره قوله تعالى لبني إسرائيل : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 44 ] ، لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [ الصف : 2 ] وهذا وجه ظاهر ، إلا أنهم اختلفوا في الجر في قوله : وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وذكروا فيه وجهين أحدهما : أنه عطف على الهاء في به والثاني : وهو قول الأكثرين : أنه عطف على سَبِيلِ اللَّهِ قالوا : وهو متأكد بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الحج : 25 ] . واعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير ، فإنه لا يقال : مررت به وعمرو ، وعلى الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية : صد عن سبيل اللّه وعن المسجد الحرام ، فقوله : عن المسجد الحرام صلة للصد ، والصلة والموصول في حكم الشيء الواحد ، فإيقاع الأجنبي بينهما لا يكون جائزا . أجيب عن الأول : لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير : وكفر به وبالمسجد الحرام ، والإضمار في كلام اللّه ليس بغريب ، ثم يتأكد هذا بقراءة حمزة تساءلون به والأرحام [ النساء : 1 ] على سبيل الخفض ولو أن حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولا بالاتفاق ، فإذا قرأ به في كتاب اللّه تعالى كان أولى أن يكون مقبولا ، وأما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا : لا شك أنه يقتضي وقوع الأجنبي بين الصلة والموصول ، والأصل أنه لا يجوز إلا أنا تحملناه هاهنا لوجهين الأول : أن الصد عن سبيل اللّه والكفر به كالشئ الواحد في المعنى ، فكأنه لا فصل الثاني : أن موضع قوله : وَكُفْرٌ بِهِ عقيب قوله : وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ إلا أنه قدم عليه لفرط العناية ، كقوله تعالى : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص : 4 ] كان من حق الكلام أن يقال : ولم يكن له أحد كفوا إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا هاهنا . الوجه الثاني : في هذه الآية ، وهو اختيار الفراء وأبي مسلم الأصفهاني أن قوله تعالى : وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف بالواو على الشهر الحرام ، والتقدير : يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام ، ثم بعد هذا طريقان أحدهما : أن قوله : قِتالٍ فِيهِ مبتدأ ، وقوله : كَبِيرٌ / وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ خبر بعد خبر ، والتقدير : إن قتلا فيه محكوم عليه بأنه كبير وبأنه صد عن سبيل اللّه ، وبأنه كفر باللّه . والطريق الثاني : أن يكون قوله : قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ جملة مبتدأ وخبر ، وأما قوله : وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فهو مرفوع بالابتداء ، وكذا قوله : وَكُفْرٌ بِهِ والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه ، والتقدير : قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل اللّه كبير وكفر به كبير ، ونظيره قولك : زيد منطلق وعمرو ، تقديره : وعمرو منطلق ، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا : أما قولكم تقدير الآية : يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان واقعا عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام ، وطعنوا في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرا باللّه ، وهو خطأ بالإجماع ، وطعنوا في الوجه الثاني بأنه لما قال بعد ذلك : وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ أي أكبر من كل ما تقدم فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد من المسجد أكبر عند اللّه من الكفر ، وهو خطأ بالإجماع . وأقول : للفراء أن يجيب عن الأول بأنه من الذي أخبركم بأنه ما وقع السؤال عن القتال في المسجد