فخر الدين الرازي
531
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب وقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب ، وليس في الآية وعيد ، فكأنه قيل : حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا ، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة والقول الثالث : أن المراد منه الإنفاق في الجهاد : والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد ، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد ، وهذا قول الأصم . المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو لا بيع ، ولا خلة ، ولا شفاعة بالنصب ، وفي سورة إبراهيم عليه السلام لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [ إبراهيم : 31 ] وفي الطور لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ [ الطور : 23 ] والباقون جميعا بالرفع ، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ [ البقرة : 197 ] . المسألة الرابعة : المقصود من الآية أن الإنسان يجيء وحده ، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا ، قال تعالى : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ [ الأنعام : 94 ] وقال : وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً [ مريم : 80 ] . أما قوله : لا بَيْعٌ فِيهِ ففيه وجهان الأول : أن البيع هاهنا بمعنى الفدية ، كما قال : فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [ الحديد : 15 ] وقال : وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ [ البقرة : 123 ] وقال : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها [ الأنعام : 7 ] فكأنه قال : من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب والثاني : أن يكون المعنى : قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال . أما قوله : وَلا خُلَّةٌ فالمراد المودة ، ونظيره من الآيات قوله تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] وقال : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ [ البقرة : 166 ] وقال : يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ العنكبوت : 25 ] وقال حكاية عن الكفار : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [ الشعراء : 100 ] وقال : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ * [ البقرة : 270 ] وأما قوله : وَلا شَفاعَةٌ يقتضي نفي كل الشفاعات . واعلم أن قوله : وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ عام في الكل ، إلا أن سائر الدلائل دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين ، وعلى ثبوت الشفاعة للمؤمنين ، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [ البقرة : 281 ] لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [ البقرة : 48 ] . واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور أحدها : أن كل أحد يكون مشغولا بنفسه ، على ما قال تعالى : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس : 37 ] والثاني : أن الخوف الشديد غالب على كل أحد ، على ما قال : يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى [ الحج : 2 ] والثالث : أنه إذا نزل العذاب بسبب الكفر والفسق صار / مبغضا لهذين الأمرين ، وإذا صار مبغضا لهما صار مبغضا لمن كان موصوفا بهما . أما قوله تعالى : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ فنقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول : الحمد للّه الذي قال :