فخر الدين الرازي

525

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البنيان فيقولون : ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بناؤك ؟ فقال محمد : كنت أنا تلك اللبنة » . الحجة التاسعة عشرة : أن اللّه تعالى كلما نادى نبيا في القرآن ناداه باسمه يا آدَمُ اسْكُنْ * [ البقرة : 35 ] ، وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ [ الصافات : 104 ] ، يا مُوسى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [ طه : 10 ، 11 ] وأما النبي عليه السلام فإنه ناداه بقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ * ، يا أَيُّهَا الرَّسُولُ * وذلك يفيد الفضل . واحتج المخالف بوجوه الأول : أن معجزات الأنبياء كانت أعظم من معجزاته ، فإن آدم عليه السلام كان مسجودا للملائكة ، وما كان محمد عليه السلام كذلك ، وإن إبراهيم عليه السلام ألقي في النيران العظيمة فانقلبت روحا وريحانا عليه ، وأن موسى عليه السلام أوتي تلك المعجزات العظيمة ، ومحمد ما كان له مثلها ، وداود لان له الحديد في يده ، وسليمان كان الجن والإنس والطير والوحش والرياح مسخرين له ، وما كان ذلك حاصلا لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وعيسى أنطقه اللّه في الطفولية وأقدره على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وما كان ذلك حاصلا لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم . الحجة الثانية : أنه تعالى سمى إبراهيم في كتابه خليلا ، فقال : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [ النساء : 125 ] وقال في موسى عليه السلام وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 164 ] وقال في عيسى عليه السلام : فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [ التحريم : 12 ] وشيء من ذلك لم يقله في حق محمد عليه السلام . الحجة الثالثة : قوله عليه السلام : « لا تفضلوني على يونس بن متى » و قال صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تخيروا بين الأنبياء » . الحجة الرابعة : روي عن ابن عباس قال : كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء فذكرنا نوحا بطول عبادته ، وإبراهيم بخلته ، وموسى بتكليم اللّه تعالى إياه ، وعيسى برفعه إلى السماء ، وقلنا رسول اللّه أفضل منهم ، بعث إلى الناس كافة ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وهو خاتم الأنبياء ، فدخل رسول اللّه فقال : فيم أنتم ؟ فذكرنا له فقال : « لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن زكريا » وذلك أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها . والجواب : أن كون آدم عليه السلام مسجودا للملائكة لا يوجب أن يكون أفضل من محمد عليه السلام ، بدليل قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة » و قال : « كنت نبيا وآدم بين الماء والطين » ونقل أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى اللّه عليه وسلّم ليلة المعراج ، وهذا أعظم من السجود ، وأيضا أنه تعالى صلى بنفسه على محمد ، وأمر الملائكة والمؤمنين بالصلاة عليه ، وذلك أفضل من سجود الملائكة ، ويدل عليه وجوه الأول : أنه تعالى أمر الملائكة بسجود آدم تأديبا ، وأمرهم بالصلاة على محمد صلى اللّه عليه وسلّم تقريبا والثاني : أن الصلاة على محمد عليه السلام دائمة إلى يوم القيامة ، وأما سجود الملائكة لآدم عليه السلام ما كان إلا مرة واحدة الثالث : أن السجود لآدم إنما تولاه الملائكة ، وأما الصلاة على محمد صلى اللّه عليه وسلّم فإنما تولاها رب العالمين ثم أمر بها الملائكة والمؤمنين والرابع : أن الملائكة أمروا بالسجود / لآدم لأجل أن نور محمد عليه السلام في جبهة آدم . فإن قيل : إنه تعالى خص آدم بالعلم ، فقال : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] وأما محمد عليه السلام فقال في حقه : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ الشورى : 52 ] وقال : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ الضحى : 7 ] وأيضا فمعلم آدم هو اللّه تعالى ، قال : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ ومعلم محمد عليه السلام جبريل