فخر الدين الرازي
378
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق وصبروا على البلوى ، فكذا أنتم يا أصحاب محمد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : استقصينا الكلام في لفظ « أم » في تفسير قوله تعالى : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ [ البقرة : 133 ] والذي نريده هاهنا أن نقول « أم » استفهام متوسط كما أن ( هل ) استفهام سابق ، فيجوز أن يقول : هل عندك رجل ، أعندك رجل ؟ ابتداء ، ولا يجوز أن يقال : أم عندك رجل ، فأما إذا كان متوسطا جاز سواء كان مسبوقا باستفهام آخر أو لا يكون ، أما إذا كان مسبوقا باستفهام آخر فهو كقولك : أنت رجل لا تنصف ، أفعن جهل تفعل هذا أم لك سلطان ؟ وأما الذي لا يكون مسبوقا بالاستفهام فهو كقوله : ألم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ [ السجدة : 1 - 3 ] وهذا القسم يكون في تقدير القسم الأول ، والتقدير : أفيؤمنون بهذا أم يقولون افتراه ؟ فكذا تقدير هذه الآية : فهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فصبروا على استهزاء قومهم بهم ، أفتسلكون سبيلهم ، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم ؟ هذا ما لخصه القفال رحمه اللّه ، واللّه أعلم . المسألة الثانية : قوله تعالى : وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ أي ولم يأتكم مثل الذين خلوا وذكر الكوفيون من أهل النحو أن ( لما ) إنما هي ( لم ) و ( ما ) زائدة وقال سيبويه : ( ما ) ليست زائدة لأن ( لما ) تقع في مواضع لا تقع فيها ( لم ) يقول الرجل لصاحبه : أقدم فلان ؟ فيقول : ( لما ) ولا يقول : ( لم ) مفردة ، قال المبرد : إذا قال القائل : لم يأتني زيد ، فهو نفي لقولك أتاك زيد وإذا قال : لما يأتني فمعناه أنه لم يأتني بعد وأنا أتوقعه قال النابغة : أزف الترحل غير أن ركابنا * لما نزل برحالنا وكأن قد فعلى هذا قوله : وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ يدل على أن إتيان ذلك متوقع منتظر . المسألة الثالثة : قال ابن عباس : لما دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم المدينة ، اشتد الضرر عليهم ، لأنهم خرجوا بلا مال ، وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فأنزل اللّه تعالى تطييبا لقلوبهم أَمْ حَسِبْتُمْ وقال قتادة والسدي : نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والحزن ، وكان كما قال سبحانه وتعالى : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [ الأحزاب : 10 ] وقيل نزلت في حرب أحد لما قال عبد اللّه بن أبي لأصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلّم : إلى متى تقتلون أنفسكم وترجون الباطل ولو كان محمد نبيا لما سلط اللّه عليكم الأسر والقتل ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . واعلم أن تقدير الآية : أم حسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان بي وتصديق رسولي ، دون أن تعبدوا اللّه بكل ما تعبدكم به ، وابتلاكم بالصبر عليه ، وأن ينالكم من أذى الكفار ، ومن احتمال الفقر والفاقة ، ومكايدة الضر والبؤس في المعيشة ، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدو ، كما كان كذلك من قبلكم من المؤمنين ، وهو المراد من قوله : وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ والمثل هو المثل وهو الشبه ، وهما لغتان : مثل ومثل كشبه وشبه ، إلا أن المثل مستعار لحالة غريبة أو قصة عجيبة لها شأن ومنه قوله تعالى : وَلِلَّهِ