فخر الدين الرازي
514
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثالثة : قال الفراء : لو ألغيت من هاهنا جاز في فئة الرفع والنصب والخفض ، أما النصب فلأن ( كم ) بمنزلة عدد فنصب ما بعده نحو عشرين رجلا ، وأما الخفض فبتقدير دخول حرف ( من ) عليه ، وأما الرفع فعلى نية تقديم الفعل كأنه قيل : كم غلبت فئة . وأما قوله : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فلا شبهة أن المراد المعونة والنصرة ، ثم يحتمل أن يكون هذا قولا للذين قالوا : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ ويحتمل أن يكون قولا من اللّه تعالى ، وإن كان الأول أظهر . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 250 ] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 250 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : المبارزة في الحروب ، هي أن يبرز كل واحد منهم لصاحبه وقت القتال ، والأصل فيها أن الأرض الفضاء التي لا حجاب فيها يقال لها البراز ، فكان البروز عبارة عن حصول كل واحد منهما في الأرض المسماة بالبراز ، وهو أن يكون كل واحد منهما بحيث يرى صاحبه . المسألة الثانية : أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع العوام والضعفاء أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه ، وأوضحوا أن الفتح والنصرة لا يحصلان إلا بإعانة اللّه ، لا جرم لما برز عسكر طالوت إلى عسكر جالوت ورأوا القلة في جانبهم ، والكثرة في جانب عدوهم ، لا جرم اشتغلوا بالدعاء والتضرع ، فقالوا : رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ونظيره ما حكى اللّه عن قوم آخرين أنهم قالوا حين الالتقاء مع المشركين : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [ آل عمران : 146 ] / إلى قوله : وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [ آل عمران : 147 ] وهكذا كان يفعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في كل المواطن ، وروي عنه في قصة بدر أنه عليه السلام لم يزل يصلي ويستنجز من اللّه وعده ، وكان متى لقي عدوا قال : « اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم » وكان يقول : « اللهم بك أصول وبك أجول » . المسألة الثالثة : الإفراغ الصب ، يقال : أفرغت الإناء إذا صببت ما فيه ، وأصله من الفراغ ، يقال : فلان فارغ معناه أنه خال مما يشغله ، والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه ، وإنما يخلو بصب كل ما فيه . إذا عرفت هذا فنقول قوله : أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً يدل على المبالغة في طلب الصبر من وجهين أحدهما : أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه ، وهذا يدل على التأكيد والثاني : أن إفراغ الإناء هو إخلاؤه ، وذلك يكون بصب كل ما فيه ، فمعنى : أفرغ علينا صبرا : أي أصبب علينا أتم صب وأبلغه . المسألة الرابعة : اعلم أن الأمور المطلوبة عند المحاربة مجموع أمور ثلاثة فأولها : أن يكون الإنسان صبورا على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة ، وهذا هو الركن الأعلى للمحارب فإنه إذا كان جبانا لا يحصل منه مقصود أصلا وثانيها : أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات والاتفاقات الحسنة مما يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار وثالثها : أن تزداد قوته على قوة عدوه حتى يمكنه أن يقهر العدو .