فخر الدين الرازي

511

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم ، قال أهل اللغة الغرفة بالضم الشيء القليل الذي يحصل في الكف ، والغرفة بالفتح الفعل ، وهو الاغتراف مرة واحدة ، ومثله الأكلة والأكلة ، يقال : فلان يأكل في النهار أكلة واحدة ، وما أكلت عندهم إلا أكلة بالضم أي شيئا قليلا كاللقمة ، ويقال : الحزة من اللحم بالضم للقطعة اليسيرة منه ، وحززت اللحم حزة أي قطعته مرة واحدة ، ونحوه : الخطوة والخطوة بالضم مقدار ما بين القدمين ، والخطوة أن يخطو مرة واحدة ، وقال المبرد : غرفة بالفتح مصدر يقع على قليل ما في يده وكثيره والغرفة بالضم اسم ملء / الكف أو ما اغترف به . المسألة الثانية : قوله : إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ استثناء من قوله : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وهذه الجملة في حكم المتصلة بالاستثناء ، إلا أنها قدمت في الذكر للعناية . المسألة الثالثة : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه ، ويحمل منها . وأقول : هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما : أنه كان مأذونا أن يأخذ من الماء ما شاءه مرة واحدة ، بغرفة واحدة ، بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه وخدمه ، ولأن يحمله مع نفسه والثاني : أنه كان يأخذ القليل إلا أن اللّه تعالى يجعل البركة فيه حتى يكفي لكل هؤلاء ، وهذا كان معجزة لنبي ذلك الزمان ، كما أنه تعالى كان يروي الخلق العظيم من الماء القليل في زمان محمد عليه الصلاة والسلام . أما قوله تعالى : فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبي والأعمش إلا قليل قال صاحب « الكشاف » : وهذا بسبب ميلهم إلى المعنى ، وإعراضهم عن اللفظ ، لأن قوله : فَشَرِبُوا مِنْهُ في معنى : فلم يطيعوه ، لا جرم حمل عليه كأنه قيل : فلم يطيعوه إلا قليل منهم . المسألة الثانية : قد ذكرنا أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز الصديق عن الزنديق ، والموافق عن المخالف ، فلما ذكر اللّه تعالى أن الذين يكونون أهلا لهذا القتال هم الذين لا يشربون من هذا النهر ، وأن كل من شرب منه فإنه لا يكون مأذونا في هذا القتال ، وكان في قلبهم نفرة شديدة عن ذلك القتال ، لا جرم أقدموا على الشرب ، فتميز الموافق عن المخالف ، والصديق عن العدو ، ويروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد ، وقع أكثرهم في النهر ، وأكثروا الشرب ، وأطاع قوم قليل منهم أمر اللّه تعالى ، فلم يزيدوا على الاغتراف ، وأما الذين شربوا وخالفوا أمر اللّه فاسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا ، وبقوا على شط النهر ، وجبنوا على لقاء العدو ، وأما الذين أطاعوا أمر اللّه تعالى ، فقوي قلبهم وصح إيمانهم ، وعبروا النهر سالمين . المسألة الثالثة : القليل الذي لم يشرب قيل : إنه أربعة آلاف ، والمشهور وهو قول الحسن أنهم كانوا على عدد أهل بدر ثلاثمائة وبضعة عشر وهم المؤمنون ، والدليل عليه أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال لأصحابه يوم بدر : أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن ، قال البراء بن عازب : وكنا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا .