فخر الدين الرازي

507

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

حملت الأمتعة إلى زيد إذا حفظها في الطريق ، وإن كان الحامل غيره . واعلم أنه تعالى جعل إتيان التابوت معجزة ، ثم فيه احتمالان أحدهما : أن يكون مجيء التابوت معجزا ، وذلك هو الذي قررناه والثاني : أن لا يكون التابوت معجزا ، بل يكون ما فيه هو المعجز ، وذلك بأن يشاهدوا التابوت خاليا ، ثم إن ذلك النبي يضعه بمحضر من القوم في بيت ويغلقوا البيت ، ثم إن النبي يدعي أن اللّه تعالى خلق فيه ما يدل على واقعتنا ، فإذا فتحوا باب البيت ونظروا في التابوت رأوا فيه كتابا يدل على أن ملكهم هو طالوت ، وعلى أن اللّه سينصرهم على أعدائهم فهذا يكون معجزا قاطعا دالا على أنه من عند اللّه تعالى ، ولفظ القرآن يحتمل هذا ، لأن قوله : يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يحتمل أن يكون المراد منه أنهم يجدون في التابوت هذا المعجز الذي هو سبب لاستقرار قلبهم واطمئنان أنفسهم فهذا محتمل . المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » : وزن التابوت إما أن يكون فعلوتا أو فاعولا ، والثاني مرجوح ، لأنه يقل في كلام العرب لفظ يكون فاؤه ولامه من جنس واحد ، نحو : سلس وقلق ، فلا يقال : تابوت من تبت قياسا على ما نقل ، وإذا فسد هذا القسم تعين الأول ، وهو أنه فعلوت من التوب ، وهو الرجوع لأنه ظرف يوضع فيه الأشياء ، ويودع فيه فلا يزول يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته . المسألة الثالثة : قرأ الكل : التابوت بالتاء ، وقرأ أبي وزيد بن ثابت التابوه بالهاء وهي لغة الأنصار . المسألة الرابعة : من الناس من قال : إن طالوت كان نبيا ، لأنه تعالى أظهر المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبيا ، ولا يقال : إن هذا كان من كرامات الأولياء ، لأن الفرق بين الكرامة والمعجزة أن الكرامة لا تكون على سبيل التحدي ، وهذا كان على سبيل التحدي ، فوجب أن لا يكون من جنس الكرامات . والجواب : لا يبعد أن يكون ذلك معجزة لنبي ذلك الزمان ، ومع كونه معجزة له فإنه كان آية قاطعة في ثبوت ملكه . أما قوله تعالى : فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ففيه مسائل : المسألة الأولى : السكينة فعلية من السكون ، وهو ضد الحركة وهي مصدر وقع موقع الاسم ، نحو : القضية والبقية والعزيمة . المسألة الثانية : اختلفوا في السكينة ، وضبط الأقوال فيها أن نقول : المراد بالسكينة إما أن يقال إنه كان شيئا حاصلا في التابوت أو ما كان كذلك . والقسم الثاني : هو قول أبي بكر الأصم ، فإنه قال : آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك ، وتزول نفرتكم عنه ، لأنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة فلا بد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم بالكلية . وأما القسم الأول : وهو أن المراد من السكينة شيء كان موضوعا في التابوت ، وعلى هذا ففيه أقوال الأول : وهو قول أبي مسلم أنه كان في التابوت بشارات من كتب اللّه تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام ، بأن اللّه ينصر طالوت وجنوده ، ويزيل خوف العدو عنهم الثاني : وهو قول علي عليه السلام : كان لها وجه كوجه الإنسان ، وكان لها ريح هفافة والثالث : قول ابن عباس رضي اللّه عنهما :