فخر الدين الرازي
476
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وقال القاضي : إنها لا تدل على الجواز لكنها تدل على الصحة ، أما بيان دلالتها على الصحة ، فلأنه لو لم يكن صحيحا لم يكن الطلاق مشروعا ، ولم تكن المتعة لازمة ، وأما أنها لا تدل على الجواز ، فلأنه لا يلزم من الصحة الجواز ، بدليل أن الطلاق في زمان الحيض حرام ومع ذلك واقع وصحيح . المسألة الرابعة : اتفقوا على أن المراد من المسيس في هذه الآية الدخول ، قال أبو مسلم : وإنما كنى تعالى بقوله : تَمَسُّوهُنَّ عن المجامعة تأديبا للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به واللّه أعلم . أما قوله تعالى : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً فالمعنى يقدر لها مقدارا من المهر يوجبه على نفسه ، لأن الفرض في اللغة هو التقدير ، وذكر كثير من المفسرين أن ( أو ) هاهنا بمعنى الواو ، ويريد : ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة ، كقوله : أَوْ يَزِيدُونَ [ الصافات : 147 ] وأنت إذا تأملت فيما لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف ، بل خطأ قطعا واللّه أعلم . أما قوله تعالى : وَمَتِّعُوهُنَّ فاعلم أنه تعالى لما بين أنه لا مهر عند عدم المسيس ، والتقدير بين أن المتعة لها واجبة ، وتفسير لفظ المتعة قد تقدم في قوله : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [ البقرة : 196 ] . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المطلقات قسمان ، مطلقة قبل الدخول ، ومطلقة بعد الدخول ، أما المطلقة قبل الدخول ينظر إن لم يكن فرض لها مهر فلها المتعة بهذه الآية التي نحن فيها ، وإن كان قد فرض لها فلا متعة ، لأن اللّه تعالى أوجب في حقها نصف المهر ولم يذكر المتعة ، ولو كانت واجبة لذكرها وقال ابن عمر : لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يدخل بها فحسبها نصف المهر ، وأما المطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أو لم يفرض ، فهل تستحق المتعة ، فيه قولان : قال في « القديم » وبه قال أبو حنيفة : لا متعة لها ، لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض قبل الدخول ، وقال في « الجديد » : بل لها المتعة ، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام ، والحسن بن علي ، وابن عمر ، والدليل عليه قوله تعالى : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [ البقرة : 241 ] وقال تعالى : فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ [ الأحزاب : 28 ] وكان ذلك في نساء دخل بهن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وليس كالمطلقة بعد الفرض قبل المسيس ، لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة استباحة عوض فلم تستحق المتعة والمطلقة بعد الدخول استحقت الصداق بمقابلة استباحة البضع فتجب لها المتعة للإيحاش بالفراق . المسألة الثانية : مذهب الشافعي وأبي حنيفة أن المتعة واجبة ، وهو قول شريح والشعبي والزهري ، وروي عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة ، وهو قول مالك / لنا قوله تعالى : وَمَتِّعُوهُنَّ وظاهر الأمر للإيجاب ، وقال : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ فجعل ملكا لهن أو في معنى الملك ، وحجة مالك أنه تعالى قال في آخر الآية : حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ فجعل هذا من باب الإحسان وإنما يقال : هذا الفعل إحسان إذا لم يكن واجبا فإن وجب عليه أداء دين فأداه لا يقال إنه أحسن ، وأيضا قال تعالى : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [ التوبة : 91 ] وهذا يدل على عدم الوجوب ، والجواب عنه أن الآية التي ذكرتموها تدل على قولنا لأنه تعالى قال : حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ فذكره بكلمة ( على ) هي للوجوب ، ولأنه إذا قيل : هذا حق على فلان ، لم يفهم منه الندب بل الوجوب .