فخر الدين الرازي
474
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
التقسيم تنبيه على المقصود من هذه الآية ، ويمكن أن يعبر عن هذا التقسيم بعبارة أخرى ، فيقال : إن عقد النكاح يوجب بدلا على كل حال ، ثم ذلك البدل إما أن يكون مذكورا أو غير مذكور ، فإن كان البدل مذكورا ، فإن حصل الدخول استقر كله ، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن اللّه تعالى قبل هذه الآية ، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق ، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن اللّه تعالى في الآية التي تجيء عقيب هذه الآية . فإن لم يكن البدل مذكورا فإن لم يحصل الدخول فهو هذه المطلقة التي ذكر اللّه تعالى حكمها في هذه الآية ، وحكمها أنه لا مهر لها ، ولا عدة عليها ، ويجب عليه لها المتعة ، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات ، إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل ، ولما نبهنا على هذا التقسيم فلنرجع إلى التفسير . أما قوله تعالى : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فهذا نص في أن الطلاق جائز ، واعلم أن كثيرا من أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في بيان أن الجمع بين الثلاث ليس بحرام ، قالوا : لأن قوله : لا جُناحَ / عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ يتناول جميع أنواع التطليقات ، بدليل أنه يصح استثناء الثلاث منها فيقال لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إلا إذا طلقتموهن ثلاث طلقات فإن هناك يثبت الجناح ، قالوا : وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فثبت أن قوله : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ يتناول جميع أنواع التطليقات ، أعني حال الإفراد وحال الجمع ، وهذا الاستدلال عندي ضعيف ، وذلك لأن الآية دالة على الإذن في تحصيل هذه الماهية في الوجود ، ويكفي في العمل به إدخاله في الوجود مرة واحدة ، ولهذا قلنا : إن الأمر المطلق لا يفيد التكرار ، ولهذا قلنا : إنه إذا قال لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق انعقدت اليمين على المرة الواحدة فقط ، فثبت أن هذا اللفظ لا يتناول حالة الجمع ، وأما الاستثناء الذي ذكروه فنقول : يشكل هذا بالأمر فإنه لا يفيد التكرار بالاتفاق من المحققين ، مع أنه يصح أن يقال : صل إلا في الوقت الفلاني وصم إلا في اليوم الفلاني واللّه أعلم . أما قوله تعالى : ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي تماسوهن بالألف على المفاعلة ، وكذلك في الأحزاب والباقون تَمَسُّوهُنَّ بغير ألف ، حجة حمزة والكسائي أن بدن كل واحد يمس بدن صاحبه ويتماسان جميعا وأيضا يدل على ذلك قوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا * [ المجادلة : 3 ] وهو إجماع وحجة الباقين إجماعهم على قوله : وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ * [ آل عمران : 47 ] ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على المعنى بفعل دون فاعل كقوله : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ * [ الرحمن : 56 ] وكقوله : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ [ النساء : 25 ] وأيضا المراد من هذا المس : الغشيان ، وذلك فعل الرجل ، ويدل في الآية الثانية على المراد من هذا المس الغشيان ، وأما ما جاء في الظهار من قوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا * فالمراد به المماسة التي هي غير الجماع وهي حرام في الظهار ، وبعض من قرأ : تماسوهن قال : إنه بمعنى تَمَسُّوهُنَّ لأن فاعل قد يراد به فعل ، كقوله : طارقت النعل ، وعاقبت اللص ، وهو كثير . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح عن المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك فإنه لا جناح عليه أيضا بعد المسيس . وجوابه من وجوه الأول : أن الآية دالة على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقا ، وهذا الإطلاق غير ثابت