فخر الدين الرازي

472

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المرأة الأجنبية ، لأن ذلك يورث نوع ريبة فيها الخامس : أن يعاهدها بأن لا يتزوج أحدا سواها . أما إذا حملنا السر على الموعود به ففيه وجوه الأول : السر الجماع قال امرؤ القيس : وأن لا يشهد السر أمثالي وقال الفرزدق : موانع للأسرار إلا من أهلها * ويخلفن ما ظن الغيور المشغف أي الذي شغفه بهن ، يعني أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : المراد لا يصف نفسه لها فيقول : آتيك الأربعة والخمسة الثاني : أن يكون المراد من السر النكاح ، وذلك لأن الوطء يسمى سرا والنكاح سببه وتسمية الشيء باسم سببه جائز . أما قوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى بأي شيء علق هذا الاستثناء . وجوابه : أنه تعالى لما أذن في أول الآية بالتعريض ، ثم نهى عن المسارة معها دفعا للريبة والغيبة استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف ، وذلك أن يعدها في السر بالإحسان إليها ، والاهتمام بشأنها ، والتكفل بمصالحها ، حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض واللّه أعلم . قوله تعالى : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ . اعلم أن لفظ العزم وجوها الأول : أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال ، قال تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ آل عمران : 159 ] واعلم أن العزم إنما يكون عزما على الفعل ، فلا بد في الآية من إضمار فعل ، وهذا اللفظ إنما يعدى إلى الفعل بحرف على فيقال : فلان عزم على كذا إذا ثبت هذا كان تقدير الآية : ولا تعزموا على عقدة النكاح ، قال سيبويه : والحذف في هذه الأشياء لا يقاس ، فعلى هذا تقدير الآية : ولا تعزموا عقدة النكاح أن تقدروها حتى يبلغ الكتاب أجله والمقصود منه المبالغة في النهي عن النكاح في زمان العدة فإن العزم متقدم على المعزوم عليه ، فإذا ورد النهي عن العزم فلأن يكون النهي متأكدا عن الإقدام على المعزوم عليه أولى . القول الثاني : أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب ، يقال : عزمت عليكم ، أي أوجبت عليكم ويقال : هذا من باب العزائم لا من باب الرخص ، وقال عليه الصلاة والسلام : « عزمة من عزمات ربنا » و قال : « إن اللّه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه » ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على اللّه تعالى ، وبالوجه الأول لا يجوز . إذا عرفت هذا فنقول : الإيجاب سبب الوجود ظاهرا ، فلا يبعد أن يستفاد لفظ العزم في الوجود وعلى هذا فقوله : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ أي لا تحققوا ذلك ولا تنشئوه ، ولا تفرغوا منه فعلا ، حتى يبلغ الكتاب أجله ، وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين . القول الثالث : قال القفال رحمه اللّه : إنما لم يقل ولا تعزموا على عقدة النكاح ، لأن المعنى : لا تعزموا