فخر الدين الرازي

273

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أما قوله تعالى : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : روي أنه لما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم أخذت عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي ، وكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما ، فلم يتبين لي الأبيض من الأسود ، فلما أصبحت غدوت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فأخبرته فضحك ، وقال « إنك لعريض القفا ، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل » ، وإنما قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إنك لعريض القفا » لأن ذلك مما يستدل به على بلاهة الرجل ، ونقول : يدل قطعا على أنه تعالى كنى بذلك عن بياض أول النهار وسواد آخر الليل ، وفيه إشكال وهو أن بياض الصبح المشبه بالخيط الأسود هو بياض الصبح الكاذب ، لأنه بياض مستطيل يشبه الخيط ، فأما بياض الصبح الصادق فهو بياض مستدير في الأفق فكان يلزم بمقتضى هذه الآية أن يكون أول النهار من طلوع الصبح الكاذب / وبالإجماع أنه ليس كذلك . وجوابه : أنه لولا قوله تعالى في آخر هذه الآية : مِنَ الْفَجْرِ لكان السؤال لازما ، وذلك لأن الفجر إنما يسمى فجرا لأنه ينفجر منه النور ، وذلك إنما يحصل في الصبح الثاني لا في الصبح الأول ، فلما دلت الآية على أن الخيط الأبيض يجب أن يكون من الفجر ، علمنا أنه ليس المراد منه الصبح الكاذب بل الصبح الصادق ، فإن قيل : فكيف يشبه الصبح الصادق بالخيط ، مع أن الصبح الصادق ليس بمستطيل والخيط مستطيل . وجوابه : أن القدر من البياض الذي يحرم هو أول الصبح الصادق ، وأول الصبح الصادق لا يكون منتشرا بل يكون صغيرا دقيقا ، بل الفرق بينه وبين الصبح الكاذب أن الصبح الكاذب يطلع دقيقا ، والصادق يبدو دقيقا ، ويرتفع مستطيلا فزال السؤال ، فأما ما حكي عن عدي بن حاتم فبعيد ، لأنه يبعد أن يخفى على مثله هذه الاستعارة مع قوله تعالى : مِنَ الْفَجْرِ . المسألة الثانية : لا شك أن كلمة « حتى » لانتهاء الغاية ، فدلت هذه الآية على أن حل المباشرة والأكل والشرب ينتهي عند طلوع الصبح ، وزعم أبو مسلم الأصفهاني لا شيء من المفطرات إلا أحد هذه الثلاثة ، فأما الأمور التي تذكرها الفقهاء من تكلف القيء والحقنة والسعوط فليس شيء منها بمفطر ، قال لأن كل هذه الأشياء كانت مباحة ثم دلت هذه الآية على حرمة هذه الثلاثة على الصائم بعد الصبح ، فبقي ما عداها على الحل الأصلي ، فلا يكون شيء منها مفطرا والفقهاء قالوا إن اللّه تعالى خص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر لأن النفس تميل إليها ، وأما القيء والحقنة فالنفس تكرههما ، والسعوط نادر فلهذا لم يذكرها . المسألة الثالثة : مذهب أبي هريرة والحسن بن صالح بن جني أن الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال لم يكن له صوم ، وهذه الآية تدل على بطلان قولهم لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى انفجار الصبح لم يمكنه الاغتسال إلا بعد انفجار الصبح . المسألة الرابعة : زعم الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والجماع بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس قياسا لأول النهار على آخره ، فكما أن آخره بغروب القرص ، وجب أن يكون أوله بطلوع القرص ، وقال في الآية أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود النهار والليل ، ووجه الشبهة ليس إلا في البياض والسواد ، فإما أن يكون التشبيه في الشكل مرادا فهذا غير جائز لأن ظلمة الأفق حال طلوع الصبح لا يمكن تشبيهها بالخيط الأسود في الشكل البتة ، فثبت أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود هو النهار والليل ثم لما بحثنا عن حقيقة الليل