فخر الدين الرازي

266

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

التوبة عن الذنوب ، وذلك لأن التائب يدعو اللّه تعالى عند التوبة ، وإجابة الدعاء بهذا التفسير عبارة عن قبول التوبة ، وعلى هذا الوجه أيضا لا إشكال ، وثالثها : أن يكون المراد من الدعاء العبادة ، قال عليه الصلاة والسلام : « الدعاء هو العبادة » ومما يدل عليه قوله تعالى : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [ غافر : 60 ] فظهر أن الدعاء هاهنا هو العبادة ، وإذا ثبت هذا فإجابة اللّه تعالى للدعاء بهذا التفسير عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كما قال : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ الشورى : 26 ] وعلى هذا الوجه الإشكال زائل ورابعها : أن يفسر الدعاء بطلب العبد من ربه حوائجه فالسؤال المذكور إن كان متوجها على هذا التفسير لم يكن متوجها على التفسيرات الثلاثة المتقدمة ، فثبت أن الإشكال زائل . المسألة الرابعة : قال المعتزلة : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ مختص بالمؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [ الأنعام : 82 ] وذلك لأن وصفنا الإنسان بأن اللّه تعالى قد أجاب دعوته ، صفة مدح وتعظيم ، ألا ترى أنا إذا أردنا المبالغة في تعظيم حال إنسان في الدين قلنا إنه مستجاب الدعوة وإذا كان هذا من أعظم المناصب في الدين ، والفاسق واجب الإهانة في الدين ، ثبت أن هذا الوصف لا يثبت إلا لمن لا يتلوث إيمانه بالفسق ، بل الفاسق قد يفعل اللّه ما يطلبه إلا أن ذلك لا يسمى إجابة الدعوة . أما قوله تعالى : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي ففيه مسائل : المسألة الأولى : وجه الناظم أن يقال : إنه تعالى قال : أنا أجيب دعاءك مع أني غني عنك مطلقا ، فكن أنت أيضا مجيبا لدعائي مع أنك محتاج إلى من كل الوجوه ، فما أعظم هذا الكرم ، وفيه دقيقة أخرى وهي أنه تعالى لم يقل للعبد : أجب دعائي حتى أجيب دعاءك ، لأنه لو قال ذلك لصار لدعائي ، وهذا تنبيه على أن إجابة اللّه عبده فضل منه ابتداء ، وأنه غير معلل بطاعة العبد ، وأن إجابة الرب في هذا الباب إلى العبد متقدمة على اشتغال العبد بطاعة الرب ، وهذا يدل على فساد ما نقلناه عن المعتزلة في المسألة الرابعة . المسألة الثانية : قال الواحدي : أجاب واستجاب بمعنى واحد : قال كعب الغنوي : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا * فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقال أهل المعنى : الإجابة من العبد للّه الطاعة ، وإجابة اللّه لعبده إعطاؤه إياه مطلوبه ، لأن إجابة كل شيء على وفق ما يليق به . المسألة الثالثة : إجابة العبد للّه إن كانت إجابة بالقلب واللسان ، فذاك هو الإيمان ، وعلى هذا التقدير يكون قوله : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي تكرارا محضا ، وإن كانت إجابة العبد للّه عبارة عن الطاعات كان الإيمان مقدما على الطاعات ، وكان حق النظم أن يقول : فليؤمنوا بي وليستجيبوا لي ، فلم جاء على العكس منه ؟ وجوابه : أن الاستجابة عبارة عن الانقياد والاستسلام ، والإيمان عبارة عن صفة القلب ، وهذا يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم الطاعات والعبادات . أما قوله تعالى : لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ فقال صاحب « الكشاف » : قرئ يَرْشُدُونَ بفتح الشين وكسرها ، ومعنى الآية أنهم إذا استجابوا لي وآمنوا بي : اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم ، لأن الرشيد هو من كان كذلك ،