فخر الدين الرازي

254

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وهو الجمع ، قال عمرو : هجان اللون لم تقرأ جنينا أي لم تجمع في رحمها ولدا ، ومن هذا الأصل : قرء المرأة وهو أيام اجتماع الدم في رحمها ، فسمي القرآن قرآنا ، لأنه يجمع السور ويضمها وثالثها : قول قطرب وهو أنه سمي قرآنا ، لأن القارئ يكتبه ، وعند القراءة كأنه يلقيه من فيه أخذا من قول العرب : ما قرأت الناقة سلى قط ، أي ما رمت بولد وما أسقطت ولدا قط وما طرحت ، وسمي الحيض ، قرأ لهذا التأويل ، فالقرآن / يلفظه القارئ من فيه ويلقيه فسمي قرآنا . المسألة الثالثة : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [ البقرة : 23 ] أن التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج ، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة ، ولهذا قال اللّه تعالى : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ إذا ثبت هذا فنقول : لما كان المراد هاهنا من قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون التنزيل ، وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال . أما قوله : هُدىً لِلنَّاسِ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : بينا تفسير الهدى في قوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] . والسؤال أنه تعالى جعل القرآن في تلك الآية هدى للمتقين ، وهاهنا جعله هدى للناس ، فكيف وجه الجمع ؟ وجوابه ما ذكرناه هناك . المسألة الثانية : هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ نصب على الحال ، أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل . أما قوله تعالى : وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ ففيه إشكال وهو أن يقال : ما معنى قوله : وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى بعد قوله : هُدىً . وجوابه من وجوه الأول : أنه تعالى ذكر أولا أنه هدى ، ثم الهدى على قسمين : تارة يكون كونه هدى للناس بينا جليا ، وتارة لا يكون كذلك ، والقسم الأول لا شك أنه أفضل فكأنه قيل : هو هدى لأنه هو البين من الهدى ، والفارق بين الحق والباطل ، فهذا من باب ما يذكر الجنس ويعطف نوعه عليه ، لكونه أشرف أنواعه ، والتقدير كأنه قيل : هذا هدى ، وهذا بين من الهدى ، وهذا بينات من الهدى ، ولا شك أن هذا غاية المبالغات الثاني : أن يقال : القرآن هدى في نفسه ، ومع كونه كذلك فهو أيضا بينات من الهدى والفرقان ، والمراد بالهدى والفرقان : التوراة والإنجيل قال اللّه تعالى : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [ آل عمران : 3 و 4 ] وقال : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ البقرة : 53 ] وقال وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ [ الأنبياء : 48 ] فبين تعالى وتقدس أن القرآن مع كونه هدى في نفسه ففيه أيضا هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان الثالث : أن يحمل الأول على أصول الدين ، والهدي الثاني على فروع الدين ، فحينئذ يزول التكرار واللّه أعلم . وأما قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ففيه مسائل :